الوضع المظلم
الرجل المهاجر في كندا.. حين يصبح الصمت أثقل من الغربة

الرجل المهاجر في كندا.. حين يصبح الصمت أثقل من الغربة

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

في كل نقاش عن الهجرة، نتحدث كثيرًا عن اللغة، العمل، السكن، الأطفال، والاندماج. لكن هناك منطقة صامتة لا نقترب منها بما يكفي: الرجل المهاجر، خصوصًا الشاب أو الأب الذي وصل إلى كندا وهو يحمل صورة كبيرة عن نفسه، ثم وجد نفسه يبدأ من نقطة الصفر.

 

ليست المشكلة الكبرى التي تواجه كثيرًا من الرجال المهاجرين في كندا اليوم هي العمل فقط، ولا اللغة فقط، ولا حتى الغلاء فقط. المشكلة الأعمق هي فقدان الدور. أن يأتي رجل كان معروفًا في بلده، له مهنة، مكانة، خبرة، شبكة علاقات، وربما كان هو “سند البيت”، ثم يجد نفسه فجأة بلا اعتراف كامل بخبرته، وبلا وظيفة تناسب تاريخه، وبلا قدرة سهلة على شرح وجعه.

 

وهنا يبدأ الصمت.

 

الرجل لا يقول بسهولة: أنا خائف. لا يقول: أشعر أنني صغرت. لا يقول: شهادتي لم تعد تكفي. لا يقول: ابني صار يتكلم الإنجليزية أسرع مني. لا يقول: زوجتي بدأت تفهم النظام أكثر مني. لا يقول: كنت قويًا هناك، لكنني هنا لا أعرف من أين أبدأ.

 

في ثقافات كثيرة، ومنها ثقافات عربية ومهاجرة، تربى الرجل على فكرة أن قيمته مرتبطة بالقدرة على الحماية والإنفاق والحسم. لذلك حين تضغطه الهجرة اقتصاديًا ونفسيًا، لا يرى نفسه مجرد إنسان يمر بمرحلة صعبة، بل يرى نفسه رجلًا فشل في الدور الذي انتظره منه الجميع.

 

وهذه قسوة لا تُرى بالعين.

 

تقول بيانات هيئة الإحصاء الكندية إن عدم تطابق العمل مع المؤهل ما زال أكثر شيوعًا بين المهاجرين الجدد. ففي سبتمبر 2024 وسبتمبر 2025، قال 22.5% من المهاجرين الجدد في سن العمل الأساسي، ممن يحملون شهادة أو دبلومًا أو درجة بعد الثانوية، إن لديهم مهارات أعلى مما تتطلبه وظائفهم، مقارنة بـ14.2% بين المولودين في كندا. هذه ليست مجرد أرقام في سوق العمل، بل قصص رجال ونساء يعملون أقل من إمكاناتهم، ويعيشون يوميًا شعورًا بأن سنوات الدراسة والخبرة لم تُترجم إلى احترام مهني عادل.

 

وعندما يكون الرجل مهاجرًا، يتضاعف أثر هذه الفجوة. لأن العمل بالنسبة له لا يكون مجرد راتب، بل لغة كرامة. الوظيفة التي لا تشبه خبرته قد تدفع الفواتير، لكنها لا تعيد إليه شعوره القديم بنفسه. قد يعمل، ويبتسم، ويحضر الطعام للأطفال، ويدفع الإيجار، ثم ينام داخليًا مثقلًا بسؤال لا يجرؤ على قوله: هل ما زلت الرجل الذي كنت أعرفه؟

 

وتقر الحكومة الكندية نفسها بأن الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية يمثل حاجزًا كبيرًا أمام اندماج الوافدين الجدد في سوق العمل، خصوصًا في المهن المنظمة مثل الصحة والمهن التي تحتاج إلى ترخيص. وتقول إن عدم الاعتراف بالمؤهلات قد يؤدي إلى عمل المهاجرين في وظائف أقل من تدريبهم، وهذا يمثل خسارة لهم ولكندا في الوقت نفسه.

 

لكن الأزمة لا تقف عند العمل. هناك وحدة أيضًا.

 

الرجال عمومًا أقل ميلًا لطلب المساعدة النفسية، والرجل المهاجر قد يكون أكثر حذرًا، لأنه يخشى الحكم عليه من مجتمعه الصغير قبل المجتمع الكبير. دراسة حديثة للمؤسسة الكندية لصحة الرجال أشارت إلى أن 64% من الرجال في كندا أبلغوا عن مستويات متوسطة إلى عالية من التوتر، وأن 50% منهم معرضون لخطر العزلة الاجتماعية، بينما قال 67% إنهم لم يلجأوا من قبل إلى خدمة مهنية للصحة النفسية. كما أظهرت البيانات أن العزلة كانت أعلى بين الشباب من 19 إلى 29 عامًا، وبين الرجال المنتمين إلى مجتمعات عرقية.

 

وهنا نصل إلى قلب المشكلة: الرجل المهاجر لا يحتاج فقط إلى وظيفة، بل يحتاج إلى مساحة آمنة يقول فيها: أنا تعبت.

 

ليس كل رجل صامتًا لأنه قاسٍ. أحيانًا هو صامت لأنه لا يعرف كيف يتكلم دون أن يشعر بالعار. وليس كل رجل غاضبًا لأنه سيئ. أحيانًا الغضب هو اللغة الوحيدة التي بقيت لديه بعد أن فشل في ترجمة خوفه، إحباطه، وارتباكه.

 

هذا لا يبرر العنف، ولا القسوة، ولا الإهمال العاطفي، ولا الهروب من المسؤولية. لكنه يساعدنا على فهم الجذور بدل الاكتفاء بإدانة السلوك. فالمجتمع الذي يريد رجالًا أكثر نضجًا، لا يستطيع أن يطلب منهم القوة طوال الوقت، ثم يسخر منهم عندما يعترفون بالضعف.

 

الشاب المهاجر يواجه نسخة أخرى من الألم. هو عالق بين عالمين. في البيت، يتوقع منه أهله أن يكون “رجلًا” بمعايير تقليدية: ناجح، محترم، لا يشتكي، يساعد العائلة، يتحمل. وفي الخارج، يطلب منه المجتمع الكندي مهارات مختلفة: تواصل، استقلالية، شبكة علاقات، ثقة بالنفس، لغة قوية، وخبرة محلية. وبين الاثنين قد يشعر أنه لا ينتمي بالكامل إلى أي مكان.

 

بعض الشباب يهرب إلى العزلة. بعضهم إلى الألعاب. بعضهم إلى الغضب السياسي أو الديني أو الاجتماعي. بعضهم إلى علاقات سطحية. وبعضهم إلى صمت طويل لا يلاحظه أحد إلا بعد أن يتحول إلى اكتئاب، فشل دراسي، انسحاب، أو عدوانية.

 

ولذلك، حين نكتب عن الرجال المهاجرين، يجب ألا نكتب بلغة الشكوى الفارغة، ولا بلغة اتهام النساء، ولا بلغة الحنين إلى سلطة قديمة. نكتب بلغة أرقى: لغة ترى الرجل إنسانًا قبل أن تراه ممولًا، أبًا، زوجًا، ابنًا، أو عاملًا.

 

نحن بحاجة إلى تغيير السؤال.

 

بدل أن نسأل: لماذا لم ينجح بسرعة؟

نسأل: هل وجد طريقًا عادلًا للاعتراف بخبرته؟

 

بدل أن نسأل: لماذا هو صامت؟

نسأل: هل تربى أصلًا على أن الكلام عن الألم مسموح؟

 

بدل أن نسأل: لماذا هو عصبي؟

نسأل: ما الذي فقده في الهجرة ولم يستطع أن يحزن عليه؟

 

وبدل أن نحول قضايا الرجال إلى مواجهة ضد النساء، نسأل: كيف نبني أسرًا مهاجرة أكثر رحمة، يكون فيها للرجل حق التعبير، وللمرأة حق الأمان، وللأطفال حق أن يروا أبًا وأمًا لا يسحقهما ضغط الغربة؟

 

الحل لا يبدأ بخطابات كبيرة. يبدأ بأشياء عملية: خدمات توظيف تفهم خبرات المهاجرين، برامج إرشاد مهني للرجال والشباب، مساحات مجتمعية آمنة للحديث عن الضغط النفسي، دعم حقيقي للاعتراف بالمؤهلات، وتربية اجتماعية تقول للرجل إن طلب المساعدة ليس ضعفًا.

 

الرجل المهاجر لا يريد أن يشفق عليه أحد. غالبًا هو آخر من يطلب الشفقة. لكنه يحتاج أن يراه أحد كاملًا: لا كصراف آلي، ولا كرمز للسلطة، ولا كمتهم دائم، بل كإنسان يحمل خوفًا ومسؤولية وحنينًا ومحاولة يومية للثبات.

 

ربما تكون أكبر مشكلة تواجه الرجال والشباب المهاجرين اليوم هي أنهم يعيشون معركة مزدوجة: معركة الاندماج في بلد جديد، ومعركة الحفاظ على صورة الرجل القوي التي ورثوها من ثقافتهم. وبين المعركتين، يسقط كثيرون في الصمت.

 

ومن هنا يجب أن يبدأ الحديث.

 

ليس دفاعًا عن الرجل ضد المرأة.

بل دفاعًا عن الأسرة كلها من صمت يقتل ببطء.