الوضع المظلم
أحيانًا يحتاج الجسد إلى الأمان قبل أن يستطيع العقل أن يستريح

أحيانًا يحتاج الجسد إلى الأمان قبل أن يستطيع العقل أن يستريح

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

العصب الحائر وفن استعادة السكينة

بقلم الدكتور مصطفى حسن

 

نحن نعيش في زمن يطلب من الإنسان أن يظل متماسكًا مهما حدث، وأن يواصل العمل والابتسام والتعامل مع الآخرين، حتى عندما يكون داخله في حالة استنفار لا تتوقف. وحين يرهقه القلق أو يعجز عن النوم أو يشعر بأن جسده مشدود بلا سبب واضح، يسمع النصيحة المعتادة: اهدأ، لا تفكر كثيرًا، تجاوز الأمر.

 

لكن هل يستطيع الإنسان حقًا أن يأمر نفسه بالهدوء؟

 

الحقيقة أن العقل قد يقتنع بأن الخطر انتهى، بينما يظل الجسد يتصرف كأن شيئًا مخيفًا لا يزال على وشك الحدوث. قد نعرف أن المكان آمن، وأن الأزمة قد مرت، وأن الشخص الذي أمامنا لا يريد إيذاءنا، ومع ذلك تتسارع ضربات القلب، ويضيق التنفس، وتنقبض المعدة، وتظل العضلات في حالة تأهب.

 

هذه الفجوة بين ما يفهمه العقل وما يشعر به الجسد هي واحدة من أكثر التجارب النفسية إرهاقًا. فالإنسان لا يعاني فقط من الخوف، بل يبدأ أيضًا في لوم نفسه: لماذا لا أستطيع أن أهدأ؟ لماذا أتأثر بهذه السرعة؟ لماذا يبدو الآخرون أكثر قدرة على الاحتمال؟

 

وربما تكون الإجابة أكثر رحمة مما نتصور: لأن الجسد يحتاج أحيانًا إلى أن يشعر بالأمان قبل أن يتمكن العقل من الاستراحة.

 

هنا يأتي الحديث عن العصب الحائر، أو العصب المبهم، الذي أصبح حاضرًا بقوة في النقاشات العلمية المتعلقة بتنظيم المشاعر والتوتر. يمتد هذا العصب في مسار طويل يربط الدماغ بالقلب والرئتين والجهاز الهضمي، ويسهم في تنظيم كثير من الوظائف التي لا نتحكم فيها بإرادتنا المباشرة، مثل النبض والتنفس والهضم والاستجابة للضغط.

 

وتشير مراجعات علمية حديثة إلى أن العصب الحائر يؤدي دورًا مهمًا في تنظيم الجهاز العصبي اللاإرادي، وفي معالجة الانفعالات ودعم التوازن النفسي. لكن المعنى الإنساني لهذه المعرفة لا يكمن في المصطلحات الطبية وحدها، بل في حقيقة مطمئنة: أجسادنا لا تحتوي فقط على أنظمة تدفعنا إلى الهرب والدفاع، بل تحتوي أيضًا على مسارات تساعدنا على التهدئة والتواصل والتعافي.

 

غير أن المشكلة تبدأ عندما يعيش الإنسان طويلًا في الخوف أو الضغط أو عدم اليقين. فالجسد يتعلم كما يتعلم العقل. وإذا اعتاد أن يبقى مترقبًا للخطر، فقد يستمر في الاستنفار حتى بعد زوال أسبابه. يصبح الصوت المرتفع تهديدًا، والتأخير إهمالًا، والصمت رفضًا، والخلاف البسيط مقدمة لهجر أو خسارة.

 

لا يفعل الجسد ذلك لأنه يريد تعذيب صاحبه، بل لأنه يحاول حمايته بالطريقة التي تعلمها. وقد تكون هذه الحماية مفيدة في لحظة الخطر، لكنها تصبح مؤلمة حين تتحول إلى أسلوب دائم للحياة.

 

لهذا السبب، لا يكون العلاج دائمًا في إقناع الإنسان بأن مخاوفه غير منطقية. فالمنطق مهم، لكنه قد لا يصل وحده إلى جهاز عصبي يعيش في حالة إنذار. نحن لا نفكر فقط بمشاعرنا، بل نحملها أيضًا في الصدر والبطن والكتفين والتنفس ونبرة الصوت.

وقد يعرف الإنسان أن كل شيء على ما يرام، بينما يظل جسده عاجزًا عن تصديق ذلك.

 

من هنا نفهم أن التنظيم النفسي ليس مجرد قوة إرادة. ليس المقصود أن نضغط على أنفسنا حتى نتوقف عن القلق، ولا أن نخجل من دموعنا أو حساسيتنا، وإنما أن نقدم للجسد إشارات متكررة تخبره بأن اللحظة الحالية أكثر أمانًا.

 

قد تأتي هذه الإشارات في صورة زفير هادئ أطول قليلًا من الشهيق، أو صوت دافئ، أو صلاة تمنح الإنسان شعورًا بأنه ليس وحيدًا، أو موسيقى مريحة، أو حركة لطيفة، أو روتين يومي ثابت، أو حضور شخص لا نضطر أمامه إلى الدفاع عن أنفسنا.

 

قد تبدو هذه الأشياء بسيطة، لكنها ليست عديمة القيمة. فالجسد لا يتعلم الأمان من المحاضرات، بل من التجربة. يتعلمه عندما يجد أن الصراحة لا يعقبها عقاب، وأن التعب لا يقابله احتقار، وأن الاختلاف لا يؤدي دائمًا إلى الهجر، وأن طلب المساعدة لا يعني الضعف.

 

وتجري حاليًا دراسات على بعض أشكال التحفيز غير الجراحي للعصب الحائر، لمعرفة مدى قدرتها على دعم التوازن العصبي ومعالجة بعض الاضطرابات النفسية والانفعالية. لكن الاهتمام بهذه الوسائل الحديثة يجب ألا يدفعنا إلى تحويل العصب الحائر إلى وصفة سحرية أو تفسير جاهز لكل ألم.

 

فالإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في عصب واحد، والتعافي لا يحدث عبر تقنية منفردة، بل من خلال تفاعل الجسد والعقل والعلاقات والظروف الاجتماعية والخبرات السابقة. ومع ذلك، تبقى الفكرة الأساسية بالغة الأهمية: لا يمكننا مطالبة العقل بالهدوء بينما نترك الجسد وحيدًا في حالة خوف.

 

السكينة أيضًا ليست زرًا نضغط عليه، وليست حالة دائمة يعيش فيها الإنسان الناضج بينما يفشل الآخرون في الوصول إليها. التنظيم النفسي لا يعني ألا نغضب أو نقلق أو نخاف، بل يعني أن نتعلم كيف نعود بعد أن نضطرب.

إنه فن العودة إلى النفس بعد أن تبعثرنا الحياة.

 

أن نلاحظ أن أكتافنا قد تصلبت، وأن أنفاسنا أصبحت أسرع، وأن أجسادنا بدأت تستعد لمعركة قد لا تكون موجودة. عندها لا نصرخ في أنفسنا قائلين: توقفي عن القلق، بل نسألها بهدوء: ماذا حدث؟ وما الذي تحتاجين إليه كي تشعري بقدر أكبر من الأمان؟

 

قد تكون الإجابة راحة، أو حدودًا أوضح، أو انسحابًا مؤقتًا من موقف مرهق، أو حديثًا صادقًا، أو حضنًا، أو مساعدة نفسية متخصصة. وقد تكون الإجابة مجرد دقائق من الصمت بعيدًا عن الضوضاء التي لم نعد نحتملها.

 

ليس المطلوب أن ننتقل في لحظة واحدة من الذعر إلى السكينة الكاملة. يكفي أحيانًا أن ينخفض التوتر قليلًا، وأن يشعر الجسد بأنه ليس مضطرًا إلى مواجهة كل شيء وحده. فالتعافي لا يحدث دائمًا في القفزات الكبيرة؛ كثيرًا ما يحدث في عودات صغيرة متكررة.

 

وفي كل مرة نمنح فيها أجسادنا تجربة آمنة، فإننا نعيد تعليمها شيئًا جديدًا: ليس كل صمت هجرًا، وليس كل خلاف نهاية، وليس كل خطأ كارثة، وليس كل توتر دليلًا على أن الحياة خرجت عن السيطرة.

 

وقد يحتاج بعض الناس إلى وقت أطول من غيرهم. فالجسد الذي عاش سنوات في الخوف لن يصدق الأمان من التجربة الأولى. ومن اعتاد أن يكون قويًا دائمًا قد يشعر بالارتباك عندما يُطلب منه أن يستريح. ومن تعلم في طفولته أن المشاعر ضعف، قد يحتاج إلى رحلة طويلة قبل أن يتوقف عن محاكمة نفسه كلما تألم.

 

لكن الجسد، كما يتعلم الخوف، يستطيع أيضًا أن يتعلم الطمأنينة.

وإذا ظل الإنسان في حالة توتر مستمر، أو شعر بالخدر والانفصال، أو أصبح النوم والتركيز والعمل والعلاقات متأثرة بشدة، فإن طلب المساعدة المتخصصة يصبح ضرورة لا رفاهية. كما أن الأعراض الجسدية المستمرة، مثل الخفقان أو ضيق التنفس أو الدوار أو الألم، تستوجب تقييمًا طبيًا، لأن الحكمة تقتضي ألا ننسب كل ما يحدث في الجسد إلى القلق وحده.

 

طلب المساعدة ليس اعترافًا بالفشل، بل اعتراف بأن الإنسان لا ينبغي أن يحمل كل أعبائه منفردًا.

 

ربما علينا إذن أن نتوقف عن سؤال أنفسنا باستمرار: لماذا لا أستطيع أن أهدأ؟ وأن نبدأ بسؤال أكثر إنصافًا: ما الذي يجعل جسدي يشعر بأنه ما زال في خطر، وما الذي يمكن أن أقدمه له كي يدرك أن هذه اللحظة مختلفة؟

 

فأحيانًا لا يحتاج العقل إلى مزيد من النصائح، بل يحتاج الجسد إلى صوت أكثر دفئًا، وتنفس أكثر بطئًا، وعلاقة أكثر أمانًا، وقليل من الرحمة.

 

وأحيانًا، قبل أن يستريح العقل، يحتاج الجسد فقط إلى أن يطمئن.