الناس لا تموت من المصائب فقط... بل من القسوة اليومية
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
د. عبير القاضي
ليست كل الأشياء التي تهزم الإنسان تأتي على هيئة كارثة كبيرة. ليس دائمًا مرضًا مفاجئًا، ولا خبرًا صادمًا، ولا خسارة واحدة تقلب الحياة رأسًا على عقب. أحيانًا، الذي يكسر الإنسان فعلًا هو ذلك الألم الصغير المتكرر، القاسي في أثره، الخفي في صورته، الذي يمر كل يوم كأنه أمر عادي، بينما يترك في الداخل شروخًا لا يراها أحد.
القسوة اليومية لا تبدو دائمًا جريمة واضحة. قد تأتي في كلمة جارحة، أو نبرة مستفزة، أو تجاهل متكرر، أو سخرية خفيفة يظنها قائلها عابرة، لكنها لا تعبر من قلب من سمعها. قد تأتي في لوم دائم، أو مقارنة ظالمة، أو مطالبة مستمرة بالاحتمال، وكأن الإنسان خُلق ليصبر إلى ما لا نهاية من دون أن يتعب، ومن دون أن يضعف، ومن دون أن يطلب الرحمة.
كم من امرأة لم تسقط من مصيبة واحدة كبرى، لكنها سقطت من تراكم الإهمال، ومن استنزاف المشاعر، ومن الكلام الذي يتكرر كل يوم حتى يزرع بداخلها شكًا مؤلمًا في نفسها وقيمتها؟ وكم من رجل لم يهزمه عبء الحياة بقدر ما هزمه شعوره بأنه غير مفهوم، وأن ضعفه مرفوض، وأن حزنه يجب أن يظل صامتًا حتى لا يفقد صورته أمام الآخرين؟ وكم من طفل لا يتذكر تفاصيل كثيرة مما عاشه، لكنه يتذكر جيدًا الإحساس الذي تركته فيه القسوة، والخوف، والإهانة، والبرود في أكثر لحظاته احتياجًا للطمأنينة؟
المصيبة الكبيرة قد تحدث مرة، وقد يجد لها الإنسان من يواسيه أو يلتف حوله. أما القسوة اليومية، فهي شيء آخر. إنها تتسلل ببطء، وتنهش الروح على مهل، وتستنزف القلب دون ضجيج. إنها ذلك النوع من الألم الذي لا يترك كدمة ظاهرة، لكنه يترك إنسانًا أقل ثقة، أقل رغبة في الكلام، أقل قدرة على الفرح، وأضعف من أن يبدأ يومه بروح سليمة.
الموجع أكثر أن كثيرين لا يعترفون بهذا النوع من الألم أصلًا. إذا لم يكن جرحك ظاهرًا، شككوا فيه. وإذا لم تكن مصيبتك كبيرة في نظرهم، قللوا منها. وإذا كنت ما زلت تبتسم وتنجز وترد على الناس، افترضوا أنك بخير. وكأن الإنسان لا يتعب إلا حين ينهار علنًا. مع أن الحقيقة أن بعض أشد الناس وجعًا هم أولئك الذين تعودوا أن يخبئوا ألمهم جيدًا، وأن يؤدوا أدوارهم كاملة بينما هم من الداخل على وشك السقوط.
القسوة اليومية ليست مجرد سوء في الأسلوب. إنها شكل من أشكال الأذى النفسي الذي يستهلك الإنسان ببطء. حين يعيش المرء في بيت يخاف فيه من رد الفعل، أو في علاقة لا يجد فيها التقدير، أو في عمل يُستنزف فيه بلا رحمة، فإنه لا يعيش طبيعيًا، بل يعيش في حالة دفاع مستمر. يزن كلماته، ويحذر من أخطائه، ويقاوم رغبته في الانسحاب، حتى يصبح مجرد الاستمرار إنجازًا صامتًا لا يراه أحد.
ولهذا، نحن بحاجة إلى مراجعة أنفسنا بصدق. ليس مطلوبًا من كل واحد منا أن ينقذ العالم، لكن على الأقل لا يكن هو سببًا إضافيًا في وجع من حوله. لا تكن أنت الكلمة التي تُطفئ، ولا النظرة التي تُهين، ولا البرود الذي يزيد من وحدة شخص يقاوم أصلًا. أحيانًا، الإنسان لا يحتاج إلى معجزة، بل يحتاج فقط إلى قليل من اللطف، وقليل من الفهم، وقلب لا يعامله كأنه عبء.
نحن نعيش في زمن صار فيه كثيرون على حافة التعب. وهذا بالضبط ما يجعل الرحمة ضرورة، لا رفاهية. واللين ليس ضعفًا، كما يظن البعض، بل قوة أخلاقية وإنسانية نادرة. أما الاحتواء، فليس تدليلًا، بل نجدة حقيقية قد تمنع روحًا من الانطفاء.
فالناس لا تموت من المصائب فقط. بعضهم ينطفئ من كلمة قاسية تتكرر كل يوم. بعضهم يذبل من تجاهل مستمر. بعضهم ينهار من جفاف عاطفي طويل، ومن شعور قاسٍ بأنه وحده، حتى وهو محاط بالناس. ولهذا، قبل أن تحكم، ارفق. قبل أن تقسو، تذكر أن كل إنسان يحمل شيئًا لا تراه. وقبل أن تقول إن الأمر بسيط، اسأل نفسك: بسيط على من؟
في هذا العالم ما يكفي من الألم. فلا تكونوا أنتم الألم الإضافي في حياة أحد.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5447 المقالات
منشورات شائعة
-
الاحتيال يتجاوز الحدود وا...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
-
السعودية تعترض صاروخ «كرو...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
-
أمطار هي الأعنف منذ 84 عا...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
-
8 ولايات أميركية تقاضي Op...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!