حين لا يعمل أوزيمبك… الجسد لا يعاندك
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: د. ماريان أسعد
متخصصة في التغذية العلاجية
هناك جملة أسمعها كثيرًا من أشخاص بدأوا أدوية إنقاص الوزن أو علاج السكري من فئة GLP-1، مثل أوزيمبك وويغوفي: “لماذا نجحت مع غيري ولم تنجح معي؟ هل المشكلة فيّ؟”
هذه الجملة لا تحمل سؤالًا طبيًا فقط، بل تحمل وجعًا إنسانيًا عميقًا. لأن كثيرين يدخلون رحلة العلاج وهم محملون أصلًا بالشعور بالذنب، وبنظرات المجتمع، وبسنوات طويلة من المحاولات، الحميات، الحرمان، ثم الفشل المؤلم أمام الميزان أو أمام نتائج السكر.
الدراسة الحديثة التي قادها باحثون من Stanford Medicine ونُشرت في مجلة Genome Medicine تفتح بابًا مهمًا في هذا النقاش. فقد أشار الباحثون إلى أن اختلافات جينية في جين يسمى PAM قد تجعل نحو 10% من الأشخاص أقل استجابة لأدوية GLP-1 المستخدمة في علاج السكري من النوع الثاني، خصوصًا في ما يتعلق بتحسين سكر الدم. بمعنى أبسط: بعض الأجسام قد تفرز الهرمون، لكن لا تستجيب له بالكفاءة نفسها.
وهنا لا بد أن نتوقف عند نقطة شديدة الأهمية: عدم الاستجابة لا يعني أن المريض مهمل، ولا يعني أنه “لا يملك إرادة”، ولا يعني بالضرورة أنه أخطأ في الطعام أو الحركة. أحيانًا يكون الجسد أكثر تعقيدًا من الأحكام السريعة التي نلقيها عليه.
أدوية GLP-1 غيّرت حياة كثير من المرضى، وساعدت بعضهم في ضبط السكر وتقليل الشهية وخسارة الوزن. لكنها ليست عصا سحرية، وليست وصفة واحدة تصلح للجميع. الدراسة نفسها ركزت أساسًا على التحكم في سكر الدم لدى مرضى السكري من النوع الثاني، ولم تثبت بعد أن العوامل الجينية نفسها تفسر ضعف خسارة الوزن لدى كل مستخدمي أوزيمبك أو ويغوفي. لذلك من الخطأ أن نختصر الأمر في عنوان مثير يقول: “أوزيمبك لا يعمل مع 10% من الناس” من دون شرح دقيق.
الحقيقة الأقرب للعلم والإنسانية هي أن الاستجابة للعلاج تتأثر بعوامل متعددة: الجينات، الجرعة، مدة الاستخدام، الحالة الصحية، العمر، النوم، مستوى التوتر، مقاومة الإنسولين، نمط الأكل، الحركة، والأدوية الأخرى. لهذا السبب يحتاج المريض إلى خطة علاجية شخصية، لا إلى مقارنة قاسية مع تجربة شخص آخر.
من منظور التغذية العلاجية، هذه الدراسة تذكرنا بأن الدواء قد يكون جزءًا مهمًا من العلاج، لكنه لا يلغي دور التغذية، ولا يلغي المتابعة الطبية، ولا يلغي فهم نمط حياة الإنسان وظروفه النفسية والاجتماعية. فالمريض ليس رقمًا في دراسة، ولا صورة “قبل وبعد”، ولا نتيجة على الميزان. هو إنسان له تاريخ، ضغوط، شهية، خوف، أمل، وربما سنوات من العلاقة الصعبة مع الطعام والجسم.
الأهم أن هذا النوع من الأبحاث قد يساعد مستقبلًا في الوصول إلى طب أكثر عدلًا ودقة. بدل أن يجرب المريض دواءً شهورًا طويلة ثم يشعر بالإحباط، قد يأتي يوم يستطيع فيه الطبيب أن يفهم مسبقًا من هو الأكثر احتمالًا للاستجابة، ومن يحتاج إلى مسار علاجي مختلف. وهذا هو جوهر الطب الشخصي: ألا نعالج الجميع بالقالب نفسه، وألا نحاكم الجميع بالنتيجة نفسها.
رسالتي لكل من لم يجد النتيجة التي توقعها من هذه الأدوية: لا تجلد نفسك. لا توقف العلاج أو تغيّر الجرعة من تلقاء نفسك، لكن تحدث مع طبيبك بصراحة. اسأل عن البدائل، عن التحاليل، عن نمط التغذية المناسب لك، عن الأسباب المحتملة لضعف الاستجابة، وعن خطة واقعية لا تبنى على الخوف أو المقارنة.
ورسالة أخرى لكل من يعلق على أجسام الناس أو تجاربهم العلاجية: ارحموا الناس من الأحكام الجاهزة. ليس كل من لم ينحف شخصًا بلا إرادة. وليس كل من احتاج إلى دواء شخصًا فشل في السيطرة على نفسه. الجسم البشري أعمق من ذلك، والعلاج الحقيقي يبدأ حين نجمع بين العلم والرحمة.
قد لا يعمل أوزيمبك بالطريقة نفسها مع الجميع، لكن هذا لا يعني أن الأمل انتهى. أحيانًا تكون النتيجة الأهم في العلم ليست اكتشاف دواء جديد فقط، بل اكتشاف سبب يجعلنا نرى المريض بإنصاف أكبر.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5242 المقالات
منشورات شائعة
-
مونتريال تستضيف لقاءً تحض...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
الكبد والحمل.. لماذا تحذّ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أكتوبر الوردي: 89 امرأة ت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
-
أمير المصري يقود تحكيم ال...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 1, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!