الوضع المظلم
حين يختل النوم… تضطرب المشاعر

حين يختل النوم… تضطرب المشاعر

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم الدكتور مصطفى حسن

النوم ليس مجرد راحة للجسد، بل فرصة يستعيد فيها الإنسان هدوءه الداخلي وقدرته على التعامل مع الحياة.

 

بعد ليلة جيدة، قد نرى المشكلة بحجمها الطبيعي، ونتعامل مع الضغوط بصبر أكبر. أما بعد عدة ليالٍ من النوم السيئ، فقد تصبح الكلمة العابرة مستفزة، والموقف البسيط مرهقاً، والقلق أكثر حضوراً.

 

هذا لا يعني أن الإنسان أصبح ضعيفاً أو مبالغاً في مشاعره. أحياناً يكون السبب ببساطة أن العقل والجسد لم يحصلا على ما يكفي من الراحة.

 

عندما يقل النوم، تتراجع القدرة على التركيز، ويصبح التحكم في الانفعال أصعب، وقد يحتاج الإنسان إلى وقت أطول حتى يهدأ بعد المواقف الضاغطة. كما قد يصبح أكثر حساسية للنقد، وأسرع غضباً، وأقل صبراً مع نفسه ومع الآخرين.

 

المشكلة أن اضطراب النوم والضغط النفسي يغذي كل منهما الآخر.

 

قد يمنعك القلق من النوم، ثم تجعلك قلة النوم أكثر توتراً في اليوم التالي. تحمل هذا التوتر معك إلى المساء، فتبدأ الليلة الجديدة والعقل لا يزال في حالة تأهب.

 

وهكذا تتكرر الدائرة.

 

قد يكون وراء اضطراب النوم خوف من المستقبل، أو حزن لم يُعبّر عنه، أو ألم جسدي، أو مسؤوليات متراكمة، أو استخدام الهاتف حتى وقت متأخر، أو عقل اعتاد التفكير في كل شيء بمجرد أن يهدأ البيت.

يدخل الإنسان إلى فراشه، لكن أفكاره لا تدخل معه في حالة راحة.

 

يبدأ في مراجعة ما حدث، وتوقع ما قد يحدث، واستعادة كلمات ومواقف كان يظن أنه تجاوزها. يتحول الليل من وقت للنوم إلى وقت آخر للعمل النفسي والقلق.

 

لهذا لا يكفي أن نقول لشخص يعاني من الأرق: "لا تفكر»."

العقل لا يتوقف بالأوامر.

 

هو يحتاج إلى إشارات متكررة تخبره أن اليوم انتهى، وأن الوقت لم يعد مناسباً لحل المشكلات أو محاسبة النفس أو توقع الأسوأ.

 

قد تكون البداية بسيطة: إغلاق الهاتف قبل النوم، تخفيف الإضاءة، الابتعاد عن الأخبار والمناقشات المرهقة، أو منح النفس دقائق من الصمت والتنفس الهادئ.

 

لا نحتاج دائماً إلى روتين مثالي. نحتاج إلى عادة واحدة يمكن تكرارها.

 

فالجسد يتعلم من التكرار. عندما تربط كل ليلة بسلوك هادئ، يبدأ العقل تدريجياً في فهم أن وقت الاستعداد للنوم قد حان.

ومن المهم أيضاً ألا يتحول النوم إلى معركة.

 

كلما خاف الإنسان من عدم النوم، ازداد توتره وأصبح النوم أصعب. لذلك لا تجعل هدفك أن تجبر نفسك على النوم، بل أن تهيئ ظروفاً تساعد جسدك على الاسترخاء.

 

الراحة ليست ضعفاً، وليست تضييعاً للوقت.

 

الإنسان المرهق لا يصبح أكثر قوة لأنه تجاهل حاجته إلى النوم. غالباً يصبح فقط أقل قدرة على التفكير، وأسرع انفعالاً، وأكثر عرضة للانهيار أمام ضغوط كان يستطيع التعامل معها في ظروف أفضل.

 

الاهتمام بالنوم جزء من الاهتمام بالصحة النفسية.

 

فعندما يتحسن النوم، لا تختفي مشكلات الحياة، لكنها تصبح أكثر قابلية للتعامل. يعود للصبر بعض مساحته، ويصبح التفكير أوضح، وتخف حدة المشاعر، ويستعيد الإنسان قدرته على رؤية الأمور من دون تضخيم أو اندفاع.

 

كيف تساعد نفسك على النوم بهدوء؟

 

ابدأ بملاحظة ما يحدث في الأيام التي لا تنام فيها جيداً. هل تصبح أسرع غضباً؟ أكثر قلقاً؟ أقل صبراً مع نفسك والآخرين؟ فهم هذا الارتباط يساعدك على إدراك أن بعض انفعالاتك قد تكون نتيجة الإرهاق، لا دليلاً على ضعفك أو فشلك.

 

بعد ذلك، حاول تحديد ما يبقيك مستيقظاً. قد يكون السبب فكرة تقلقك، أو ألماً جسدياً، أو حزناً لم تجد وقتاً للتعامل معه، أو عادة بسيطة مثل استخدام الهاتف حتى اللحظة الأخيرة. لا تلُم نفسك، بل حاول أن تفهم ما يحتاجه جسدك وعقلك حتى يهدآ.

ثم اختر تغييراً واحداً فقط يمكنك الاستمرار عليه. أغلق الهاتف قبل النوم بقليل، خفف الإضاءة، ابتعد عن النقاشات المرهقة، أو خصص دقائق هادئة للتنفس أو القراءة أو الدعاء.

 

لا تحاول صنع ليلة مثالية. الهدف أن تمنح جسدك إشارة واضحة ومتكررة بأن اليوم انتهى، وأن وقت الراحة قد حان.

سؤال الليلة

 

بدلاً من أن تسأل نفسك: «لماذا لا أستطيع النوم؟»، اسأل:

ما الشيء الصغير الذي يمكنني فعله الليلة حتى يشعر جسدي بهدوء أكبر؟

متى تحتاج إلى دعم؟

 

قد تحتاج إلى استشارة طبيب عندما يستمر اضطراب النوم، أو يبدأ في التأثير في التركيز والعمل والقيادة والعلاقات والقدرة على أداء مسؤولياتك اليومية.

 

كما ينبغي عدم تجاهل الشخير الشديد، أو الشعور بالاختناق أثناء النوم، أو الاستيقاظ المتكرر، أو النعاس الشديد خلال النهار.

طلب المساعدة ليس دليلاً على العجز. أحياناً يكون النوم المضطرب رسالة من الجسد بأنه يحتاج إلى اهتمام أكبر، لا إلى مزيد من الضغط.