حين يصبح تطوير الذات عبئا نفسيا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: الدكتورة عبير القاضي
في السنوات الأخيرة، لم يعد تطوير الذات عند كثيرين مجرد رغبة صحية في النضج وتحسين الحياة، بل تحوّل إلى ضغط يومي لا يهدأ. فبدل أن يساعد الإنسان على فهم نفسه والاقتراب من توازنه، صار يدفعه أحيانًا إلى مراقبة ذاته بلا توقف، وكأن عليه في كل لحظة أن يكون أكثر إنتاجًا، وأكثر وعيًا، وأكثر شفاءً، وأكثر انضباطًا.
هنا يظهر الجانب المظلم لهذه الثقافة.
المشكلة ليست في السعي إلى التحسن، فهذا أمر طبيعي ومطلوب، لكن الخلل يبدأ عندما يتحول التحسن إلى واجب نفسي دائم، وعندما يشعر الإنسان أن قيمته مرتبطة بقدرته المستمرة على إصلاح نفسه. عندها لا يعود تطوير الذات مساحة للنمو، بل يصبح عبئًا جديدًا يضاف إلى أعباء الحياة.
كثير من الخطاب المنتشر اليوم يزرع في الناس شعورًا خفيًا بأنهم لا يكفون كما هم، وأن عليهم دائمًا أن يراجعوا أنفسهم، ويكسروا عاداتهم، ويعالجوا جراحهم، ويرفعوا كفاءتهم، ويثبتوا أنهم يتقدمون. وحتى حين يحققون خطوات جيدة، لا يشعرون بالرضا، لأن هناك دائمًا مستوى آخر مطلوبًا، ونسخة أخرى “أفضل” ينبغي الوصول إليها.
بهذا الشكل، يتحول الإنسان إلى مشروع لا ينتهي، لا إلى روح تحتاج أحيانًا إلى الرحمة والهدوء.
الأخطر أن بعض محتوى تطوير الذات لا يخفف الضغط، بل يعيد إنتاجه بلغة براقة. فإذا تعب الإنسان، قيل له إنه لم ينظم حياته جيدًا. وإذا تعثر، قيل له إن وعيه لم يكتمل بعد. وإذا فشل، قيل له إن مشكلته في طريقة تفكيره. وهكذا ينتقل الخطاب من الدعم إلى اللوم، ومن التمكين إلى جلد الذات.
والحقيقة أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى خطة جديدة ليصبح أفضل. أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يشعر أن تعبه مفهوم، وأن بطأه ليس فشلًا، وأن قيمته لا تسقط لأنه لم ينجز ما يكفي، أو لأنه لم يتجاوز كل ما يؤلمه.
تطوير الذات، في صورته الصحية، يجب أن يقرّب الإنسان من السلام، لا أن يدفعه إلى حرب مستمرة مع نفسه. ويجب أن يمنحه أدوات للفهم والاتزان، لا أن يربطه بشعور دائم بالنقص. فليس كل سعي إلى التحسن صحيًا، وليس كل خطاب تحفيزي بريئًا. وبعض ما يُقدَّم اليوم بوصفه وعيًا، ليس في حقيقته سوى قلق جديد يرتدي لغة أنيقة.
ربما نحتاج إلى أن نعيد التوازن لهذا المفهوم: نعم، من حق الإنسان أن يتطور، لكن من حقه أيضًا أن يرتاح. ومن حقه أن ينمو، لكن من دون أن يعيش مقتنعًا بأن قيمته مؤجلة إلى أن يصبح نسخة مثالية من نفسه.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5351 المقالات
منشورات شائعة
-
الجمعية العراقية الكندية...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 8, 2026
-
رئيس الكونغرس العربي الكن...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 8, 2026
-
أحمد جابر يؤكد دعم المكتب...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 8, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!