الوضع المظلم
عندما يصبح الذكاء الاصطناعي «صديقًا» لأبنائنا (1)

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي «صديقًا» لأبنائنا (1)

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

كيف نحمي التفكير والخصوصية؟

بقلم: هناء الرملي

مهندسة، كاتبة، باحثة ومحاضرة متخصصة في السلامة الرقمية وثقافة الإنترنت للأسرة والطفل.

في إحدى الأمسيات، سألتُ ابنتي عن سبب تأخرها في إنهاء واجباتها المدرسية، فأجابت ببساطة: "لا تقلقي يا أمي، سأكتبها كلها قبل النوم، والفضل للذكاء الاصطناعي".

لم أنزعج من الأداة نفسها بقدر ما أزعجتني السهولة التي تحدثت بها، وما شعرت به من عدم مبالاة تجاه الجهد الذي يفترض أن تبذله في دروسها.

 

هذه القصة الصغيرة تختصر ما يحدث اليوم في بيوت كثيرة. أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من البيئة التي يعيش فيها أبناؤنا، خصوصًا في حياتهم الدراسية والرقمية. يسألونه، يستعينون بإجاباته، يثقون به أحيانًا، وقد يبوحون له بأمور لا يقولونها لنا.

 

المشكلة ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، فهي أداة يمكن أن تحقق فائدة حقيقية إذا أُحسن استخدامها. المشكلة تبدأ عندما يتعامل معها الأبناء ببراءة كاملة، من دون أن يدركوا حدودها أو مخاطر مشاركة معلوماتهم معها، أو أن إجاباتها ليست دائمًا صحيحة.

 

وكأهل، لسنا مطالبين بخوض معركة لمنع هذه الأدوات، وهي معركة لن تنجح على الأرجح. ما نحتاج إليه هو أن نجلس مع أبنائنا، ونتحدث معهم بلغة يفهمونها عن كيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، ومتى ينبغي الحذر منه، وكيف يحمون أنفسهم من دون أن نصادر فضولهم.

 

عندما تختصر الأداة طريق التفكير

أول ما يقلقني كأم وكمهتمة بالتربية هو ذلك النمط الذي بدأ يتكرر لدى بعض الطلاب: سؤال، ثم إجابة جاهزة، ثم نسخ وتسليم.

حين يعتاد الطفل هذا الطريق المختصر، فإنه يتجاوز تحديدًا اللحظات التي يتشكل فيها عقله: لحظة التفكير، والمحاولة والخطأ، والبحث، واكتشاف الحل بنفسه.

 

وهذه ليست مجرد مهارات يحتاجها للحصول على علامة مدرسية أفضل، بل هي أساس التفكير النقدي الذي سيحتاج إليه في قراراته طوال حياته.

 

الحل ليس الصراخ أو المنع، وإنما زرع عادة بسيطة: اطلبوا من أبنائكم أن يحاولوا بأنفسهم أولًا، ثم يستخدموا الذكاء الاصطناعي للشرح أو المراجعة أو تطوير أفكارهم، لا لإنجاز المهمة كاملة بدلًا منهم.

 

وهناك سؤال صغير يمكن أن يكشف الكثير بعد كل واجب:

"لو طلب منك المعلم أن تشرح أمام الصف ما كتبته، هل تستطيع؟"

إذا تردد الأبن في الإجابة، فهذه إشارة تستحق أن نتوقف عندها.

 

لا تتحدث إلى الذكاء الاصطناعي كأنه صديقك

مشكلة أخرى تستحق انتباه الأهل، وهي أن بعض الأبناء يتعاملون مع روبوتات المحادثة كما لو كانوا يتحدثون إلى صديق مقرّب. قد يذكرون اسم المدرسة، أو يشاركون صورًا، أو تفاصيل شخصية وعائلية، وربما مشكلات حساسة يمرون بها.

 

وهنا علينا أن نعلّمهم أن المحادثة مع برنامج ليست كالمحادثة الخاصة مع شخص يثقون به. فطريقة حفظ المحادثات واستخدام البيانات تختلف من منصة إلى أخرى بحسب سياساتها وإعدادات الخصوصية، ولهذا يجب ألا تُرسل المعلومات الحساسة إلى هذه الأدوات من الأساس.

 

القاعدة العملية التي أحب أن أشاركها مع كل أم وأب أسميها " قاعدة الشارع العام "

قبل أن يضغط ابنك زر الإرسال، عليه أن يسأل نفسه: هل أقبل أن أطبع هذه المعلومة وأضعها في مكان عام ليراها الآخرون؟

إذا كانت الإجابة لا، فمن الأفضل ألا يكتبها في صندوق المحادثة أيضًا.

 

الاسم الكامل، والعنوان، وتاريخ الميلاد، وكلمات المرور، والصور الخاصة، وأسرار الأسرة، والمعلومات التي تكشف مكان الطفل أو مدرسته، كلها أمور يجب التعامل معها بحذر شديد.

 

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة رائعة للتعلم، لكنه يحتاج من أبنائنا إلى وعي يوازي سهولة استخدامه، ومنّا نحن الأهل إلى حضور وحوار مستمرين، لا إلى خوف أو منع.

 

يتبع في الجزء الثاني: التزييف العميق، المعلومات المضللة، وأين تنتهي المساعدة ويبدأ الغش؟