الوضع المظلم
في العيد نتعلم أن نعود أخف إلى أنفسنا

في العيد نتعلم أن نعود أخف إلى أنفسنا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

كل عيد يأتي ومعه سؤال خفي لا ننتبه إليه وسط الزحام: ماذا تغير فينا؟ لا أقصد ماذا اشترينا، أو ماذا طبخنا، أو أين سنقضي الإجازة، بل ماذا صار في الداخل؟ هل صرنا أهدأ؟ أرحم؟ أكثر قدرة على فهم أنفسنا ومن حولنا؟ أم أننا نعبر المناسبات الكبيرة كما نعبر الأيام العادية، نغيّر الملابس ولا نغيّر شيئًا في القلب؟

 

في يوم عرفة، يقف الناس أمام الله بقلوب عارية من الزينة. لا أحد يحمل لقبًا، ولا منصبًا، ولا بيتًا، ولا رصيدًا، ولا صورة مصقولة عن نفسه. هناك يصبح الإنسان إنسانًا فقط. ضعيفًا، صادقًا، محتاجًا، راجيًا. وربما تكون حكمة عرفة العظيمة أنه يذكّرنا بأننا لسنا مطالبين بأن نبدو كاملين طوال الوقت. يكفينا أن نكون صادقين ونحن نحاول.

 

أما عيد الأضحى، فليس مجرد طقس نؤديه أو مناسبة نفرح بها. هو درس عميق في معنى التضحية. والتضحية ليست دائمًا أن نعطي شيئًا من مالنا فقط، بل أحيانًا أن نتخلى عن قسوة داخلنا، عن عناد يؤذينا، عن غضب قديم، عن رغبة في السيطرة، عن كلمة جارحة كنا قادرين على قولها واخترنا ألا نقولها.

 

أحيانًا تكون أضحية الإنسان الحقيقية أن يذبح كبرياءه حين يمنعه من الاعتذار. أن يذبح خوفه حين يمنعه من البدء من جديد. أن يذبح حقدًا قديمًا ظل يسكن قلبه ويأكل من سلامه. أن يذبح فكرة أنه دائمًا على حق، وأن الآخرين دائمًا مقصرون.

 

العيد لا يطلب منا أن نكون ملائكة، لكنه يفتح لنا بابًا لنكون أرق. أن نتصالح مع أنفسنا قبل أن نطالب العالم أن يتصالح معنا. أن نهدأ في الداخل قليلًا، لأن الإنسان الذي لا يعرف كيف يهدئ قلبه، يحمل عاصفته معه إلى كل بيت، وكل علاقة، وكل حوار.

 

في حياتنا اليومية، كثيرًا ما نعيش منفصلين عن أنفسنا. نركض وراء العمل، المسؤوليات، الأخبار، الناس، الخوف من المستقبل، وذكريات الماضي. نسمع كل الأصوات إلا صوتنا الداخلي. ثم نستغرب لماذا نشعر بالتعب، لماذا نفقد الشغف، لماذا نغضب بسرعة، ولماذا تبدو العلاقات حولنا ثقيلة.

 

ربما يعلمنا الحج أن الرحلة الأهم ليست دائمًا إلى مكان بعيد، بل إلى الداخل. أن يطوف الإنسان حول المعنى، لا حول ضجيجه. أن يسعى بين خوفه ورجائه كما تسعى الروح بين ضعفها وأملها. أن يقف في عرفة نفسه، ويقول بصدق: يا رب، هذه أنا كما أنا، بأخطائي، ونيتي، وتعب قلبي، ورغبتي في أن أصبح أفضل.

 

وأجمل ما في العيد أنه يربط الإنسان بالعالم من حوله. لا يتركنا أسرى لأنانيتنا الصغيرة. يذكرنا بالجائع، والوحيد، والمغترب، والمريض، والطفل الذي ينتظر فرحة، والأم التي تخفي تعبها، والرجل الذي يصمت خوفًا من أن يبدو ضعيفًا، والإنسان الذي يضحك أمام الناس وقلبه ممتلئ بما لا يقال.

 

لذلك، حين نقول “كل عام وأنتم بخير”، لا ينبغي أن تكون جملة عابرة. الخير ليس فقط في أن تمر الأيام بسلام، بل أن نصبح نحن مصدر سلام. أن ندخل بيتًا فنخفف ثقله، لا نزيده. أن نسمع من نحب بإنصاف. أن نختلف دون أن نهدم. أن نعتذر دون أن نشعر أن كرامتنا نقصت. أن نحب دون أن نمتلك. وأن نعطي دون أن نمنّ.

 

العيد فرصة صغيرة لنعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا. أن نسأل: ما الذي أثقل روحي هذا العام؟ ما الذي أحتاج أن أتركه؟ من الذي أحتاج أن أسامحه؟ ومن الذي أحتاج أن أطلب منه السماح؟ ما العادة التي تؤذيني وأصر على تكرارها؟ وما الباب الذي لا بد أن أغلقه حتى أستطيع أن أتنفس؟

 

الحكمة ليست أن نخرج من العيد بصورة جميلة فقط، بل بقلب أخف. أن نسمح للفرح أن يكون عبادة، وللرحمة أن تكون موقفًا، وللعطاء أن يكون لغة يومية، لا موسمية.

 

في العيد، لا نحتاج إلى ضجيج كبير كي نكون سعداء. أحيانًا تكفي مكالمة صادقة، دعوة من القلب، زيارة قصيرة، يد ممدودة، طبق طعام يصل إلى من يحتاجه، أو كلمة حلوة تنقذ إنسانًا من شعوره بأنه غير مرئي.

 

وفي النهاية، أؤمن أن أجمل ما يمكن أن نأخذه من حكمة الأضحى والحج هو هذا المعنى: أن نعود إلى أنفسنا أقل صلابة، وأكثر رحمة. أن نتصالح مع ضعفنا بدل أن نخجل منه. أن نفهم أن القرب من الله لا يظهر فقط في الشعائر، بل في أثرها علينا: هل أصبحنا أهدأ؟ أصدق؟ أحن؟ أعدل؟ أقدر على أن نرى الإنسان في من يختلف معنا؟

 

العيد ليس نهاية موسم، بل بداية مراجعة. وكل من يعود من هذه الأيام بقلب أنظف، ولسان أطيب، ونية أوسع، فقد أخذ من العيد أجمل هديته.

 

كل عام وأنتم أقرب إلى السلام، إلى الرحمة، وإلى أنفسكم.