مهاجرات خارج الصندوق | سامية أولاد علي.. حين لا يتوقف النجاح عند صاحبه
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
- آخر تحديث
Can I ever believe him again? ليس كل نجاح قصة صعود فردي، ولا كل أثر يمكن قياسه بمنصب أو جائزة. أحيانًا تكون القيمة الحقيقية فيما يستطيع الإنسان أن يبنيه حوله: فرصة لأسرة تبدأ من جديد، مساحة لشاب يكتشف قدرته على القيادة، مدرسة تستجيب لمجتمع يتغير، أو مؤسسة تصبح أكثر قدرة على رؤية من لم تكن تراهم من قبل.
من هذه الزاوية تبدو مسيرة سامية أولاد علي أوسع من قصة امرأة تونسية جاءت إلى كندا في التسعينيات ونجحت في وطن جديد. فخلال أكثر من ربع قرن، تحركت تجربتها بين التعليم وريادة الأعمال الاجتماعية والحوكمة والعمل المجتمعي، بينما ظل الخيط الذي يجمع هذه المحطات واحدًا: كيف تتحول الخبرة الفردية إلى قدرة على بناء فرص ومؤسسات أقوى للآخرين؟
جاءت أولاد علي إلى كندا للدراسة، وتخرجت في اللسانيات من Université Laval عام 1999، ثم اختارت أوتاوا للاستقرار. بدأت مدرسة للغة الفرنسية، وانتقلت بعد ذلك إلى الإرشاد التربوي وتطوير البرامج وإدارة المؤسسات التعليمية الخاصة. وفي 2007 تولت إدارة معهد دولي، حيث جمعت بين القيادة التعليمية والإدارية وبين تطوير البرامج وبناء الشراكات واستقطاب الطلاب الدوليين وتشجيع التبادل الأكاديمي.
لكن إحدى المحطات الأكثر دلالة في رحلتها جاءت عام 2015، عندما أسست منظمة غير ربحية لدعم الوافدين الجدد والأسر التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية. وتقول سيرتها الرسمية إن المنظمة تعمل مع مئات الأسر عبر خدمات الدعم المجتمعي ومبادرات الاندماج وبرامج بناء القدرات.
والفارق هنا مهم. ففكرة العمل لا تقوم فقط على مساعدة أسرة في لحظة احتياج، وإنما على مساعدتها كي تصبح أقدر على إدارة حياتها الجديدة بنفسها: أن تعرف أين تجد الخدمة، وكيف تندمج، وأن تستعيد الثقة والأدوات التي تسمح لها بالمشاركة والنجاح داخل المجتمع.
لهذا تصف أولاد علي جانبًا مهمًا من مسيرتها باعتباره بناءً للمجتمع. ففي تجربتها، لا يعني المصطلح مجرد المشاركة في أنشطة اجتماعية، وإنما محاولة جمع الناس والمؤسسات، وبناء الشراكات، وتحويل الاحتياجات إلى فرص وبرامج وهياكل تستطيع الاستمرار بعد انتهاء المبادرة أو المناسبة.
وفي 2018 اتسعت هذه التجربة عندما انتُخبت لعضوية مجلس المدارس العامة في شرق أونتاريو (CEPEO). أصبحت نائبة للرئيس عام 2021، ثم تولت رئاسة المجلس في 2023، وأعيد انتخابها للرئاسة للعام الدراسي 2024-2025، قبل أن تواصل اليوم عملها مستشارة مدرسية ورئيسة سابقة للمجلس.
لكن قيمة هذه المرحلة لا تكمن في أسماء المناصب بقدر ما تكمن فيما يمكن أن تعنيه الحوكمة التعليمية للطالب والأسرة.
فمن بين الملفات التي ارتبط بها عملها المطالبة بإنشاء مدارس جديدة مع نمو المجتمعات الفرنكوفونية، وتعزيز ممارسات الحوكمة، ودعم سياسات الإنصاف والتنوع وحقوق الإنسان. وتشير سيرتها الرسمية أيضًا إلى دورها في إنشاء أول مكتب من نوعه في أونتاريو داخل مجلس مدرسي مخصص لمفوض للإنصاف والتنوع في التعليم.
وحين نتجاوز لغة المؤسسات، تصبح المسألة أبسط وأكثر إنسانية: المدرسة الأقرب قد تعني لطفل وقتًا أقل في الطريق وفرصة للتعلم بلغته داخل مجتمعه. والإنصاف داخل المدرسة يعني أن خلفية الطالب أو ظروفه أو احتياجاته لا تجعله أقل حضورًا في النظام الذي يفترض أن يخدم الجميع.
هذه الفكرة تظهر بصورة أوضح في تجربة أولاد علي مع Consortium Centre Jules-Léger (CCJL)، الذي ترأست مجلسه بين 2022 و2024 وتشغل منذ ديسمبر 2024 منصب نائبة الرئيس. ويقدم المركز تعليمًا متخصصًا للطلاب الفرنكوفونيين ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن بينهم الصم وضعاف السمع والصم المكفوفون والمكفوفون وضعاف البصر، إضافة إلى طلاب يواجهون صعوبات تعلم شديدة.
وهنا تأخذ عبارتها “Every student matters” — «كل طالب مهم» معناها الحقيقي. فالطالب الذي يحتاج إلى طريقة مختلفة للتعلم لا يحتاج إلى أن يُقال له إنه متساوٍ مع الآخرين بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة قادرة فعليًا على توفير ما يسمح له بأن يتعلم ويحقق إمكاناته.
ومع الوقت، اتسع نطاق عملها من شرق أونتاريو إلى مستوى المقاطعة ثم كندا. فمنذ 2022 تشغل منصب نائبة رئيس ACÉPO، التي تمثل مجالس المدارس العامة الفرنكوفونية في أونتاريو، وأعيد انتخابها بالتزكية لهذا المنصب في يناير 2026. وعلى المستوى الوطني، تشغل منصب النائبة الأولى لرئيس FNCSF، التي تعمل على قضايا وحقوق التعليم باللغة الفرنسية في المجتمعات الفرنكوفونية خارج كيبيك.
وراء هذه الاختصارات المؤسسية سؤال واحد يمكن أن يفهمه أي أب أو أم: هل يحصل الطفل على فرصة تعليم جيدة وعادلة، حتى لو كان يعيش ضمن أقلية لغوية أو يحتاج إلى دعم مختلف؟
ثم امتد اهتمام أولاد علي ببناء المجتمع إلى مجال آخر لا يقل ارتباطًا بحياة الأسر: الصحة.
فمنذ 2024 تشغل عضوية مجلس إدارة Hôpital Montfort وتشارك في لجنة الإدارة والتدقيق. وفي أبريل 2026 أصبحت واحدة من الأعضاء المؤسسين لـMontfort Ottawa West Community Family Health Team، التي أنشئت لتوسيع الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية المتكاملة، ولا سيما الخدمات باللغة الفرنسية في غرب أوتاوا.
وهنا يلتقي التعليم بالصحة رغم اختلاف المجالين. ففي الحالتين يتعلق الأمر بإزالة حاجز من أمام الإنسان: لغة قد تمنعه من الحصول على الخدمة التي يحتاجها، أو مسافة تبعد المدرسة عن طفله، أو احتياج تعليمي خاص لا يستجيب له النظام التقليدي.
وحصلت أولاد علي خلال السنوات الأخيرة على عدد من التكريمات، بينها جائزة القيادة الملهمة والأثر المجتمعي في Impact Diaspora Summit عام 2024، وميدالية تتويج الملك تشارلز الثالث عام 2025، ثم جائزة Personnalité de l’année في الدورة العاشرة لجوائز Prix Saphir عام 2025. كما تُدعى للمشاركة في مؤتمرات ومنتديات تتناول التعليم والإنصاف والحوكمة والشمول وقيادة المرأة.
لكن واحدة من أكثر لحظات مسيرتها دلالة جاءت عندما وقفت لتتسلم جائزة Saphir. فبدل أن تبدأ بالمناصب، عادت إلى والديها في تونس وإصرارهما على أن يحصل الأبناء والبنات معًا على التعليم. وقالت إنهما علّما أبناءهما أن التعليم هو وسيلة للحراك الاجتماعي.
ربما لهذا تبدو الدائرة مكتملة بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا.
ما بدأ بالتعليم كأداة تستطيع بها شابة بناء مستقبلها، أصبح لاحقًا مجالًا تحاول من خلاله أن تجعل الطريق أوسع أمام طلاب وأسر ومجتمعات أخرى.
وفي 2026، تواصل أولاد علي هذا المسار بخوض انتخابات إعادة انتخابها لعضوية مجلس CEPEO عن المنطقة 12، امتدادًا لتجربة في الحوكمة التعليمية بدأت بانتخابها للمجلس عام 2018.
لكن الانتخابات ليست جوهر هذه القصة.
فالمناصب تتغير، وعضويات المجالس تنتهي، والجوائز تجد مكانها في النهاية على رف. ما يبقى هو السؤال الأكثر أهمية: ماذا فعل الإنسان بما تعلمه وبما أتيح له من قدرة على التأثير؟
سامية أولاد علي تختصر الإجابة بطريقتها:
"النجاح لا يُقاس فقط بمدى ما نحققه على المستوى الفردي، بل أيضًا بعدد الأشخاص والمجتمعات التي تصبح أقوى وأفضل بفضل العمل الذي نقوم به معًا."
ولهذا لا تبدو قصتها، في جوهرها، مجرد قصة "مهاجرة نجحت".
إنها قصة امرأة بدأت ببناء مكان لنفسها، ثم اتسعت رحلتها تدريجيًا إلى محاولة فتح أماكن وفرص لآخرين: أسرة تبحث عن بداية أكثر ثباتًا، شاب يحتاج إلى الثقة كي يقود، طالب يحتاج إلى تعليم يناسبه، أو مجتمع يريد أن تصل إليه المدرسة والخدمة الصحية بلغته.
فالنجاح الفردي قد يغير حياة صاحبه، أما النجاح الذي يتحول إلى فرصة لغيره فقد يغير مجتمعًا.
وهنا تحديدًا تستحق قصة سامية أولاد علي مكانها في مهاجرات خارج الصندوق.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5457 المقالات
منشورات شائعة
-
طيران كندا تفرض رسومًا جد...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
-
شراء البيت في كندا.. مفاه...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
-
لصقات تحت العين.. هل صنعت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
-
الشاي الأخضر بالليمون.. ف...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 15, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!