الوضع المظلم
هل نحمي أبناءنا من السوشيال ميديا… أم نتركهم وحدهم ثم نخاف عليهم؟

هل نحمي أبناءنا من السوشيال ميديا… أم نتركهم وحدهم ثم نخاف عليهم؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

إعداد: تهاني الغزالي

لم يعد السؤال اليوم: هل السوشيال ميديا مفيدة أم ضارة؟ هذا سؤال قديم، وأبسط من حجم الخطر الذي يحيط بأبنائنا. السؤال الحقيقي الذي يطرق أبواب كل بيت هو: هل نحمي أبناءنا فعلًا، أم نكتفي بإخافتهم؟ هل نربيهم على الوعي، أم نلقي في وجوههم التحذيرات ثم نتركهم وحدهم في عالم لا ينام، ولا يرحم، ولا يتوقف عن مطاردة انتباههم ومشاعرهم وضعفهم؟

 

الجدل المتصاعد في كندا حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا لم يأتِ من فراغ. استطلاع حديث أظهر أن 75 بالمئة من الكنديين يؤيدون حظرًا كاملًا على هذه الفئة العمرية، وأن 94 بالمئة يشعرون بالقلق على الصحة النفسية، و94 بالمئة على الإدمان، و90 بالمئة على التنمر الإلكتروني. هذه ليست موجة ذعر عابرة، بل إشارة واضحة إلى أن الناس باتوا يشعرون بأن أبناءهم يواجهون خطرًا حقيقيًا.

 

لكن الحظر، مهما بدا حاسمًا، ليس حلًا سحريًا. لأن أبناءنا لا يدخلون هذه المنصات من باب التسلية فقط. كثير منهم يذهبون إليها من باب الوحدة، والفراغ، والبحث عن الاعتراف، والهروب من قلق لا يعرفون كيف يشرحونه. الطفل أو المراهق الذي لا يجد حضنًا كافيًا، أو حوارًا آمنًا، أو متابعة ذكية، لن يردعه الخوف وحده. قد يختبئ أكثر، وقد يكذب أكثر، وقد يتعلم ببساطة كيف يفتح الباب نفسه بعيدًا عن أعيننا.

 

الأرقام هنا مقلقة فعلًا. في كندا، يستخدم 92 بالمئة من المراهقين وسائل التواصل الاجتماعي بانتظام، بينما أظهرت بيانات حديثة أن نسبة الشباب الذين وصفوا صحتهم النفسية بأنها متوسطة أو سيئة ارتفعت من 12 بالمئة في 2019 إلى 26 بالمئة في 2023. وبين الفتيات تحديدًا، قفزت النسبة إلى 33 بالمئة. هذه ليست مجرد أرقام عن وقت الشاشة، بل مؤشرات على هشاشة تتسع داخل نفوس صغيرة ما زالت تتشكل، وعلى عالم رقمي صار يؤثر في المزاج، والصورة الذاتية، والعلاقات، والشعور بالقيمة.

 

ثم يأتي التنمر الإلكتروني، ذلك العنف الذي لا يطرق الباب قبل أن يدخل. واحد من كل أربعة شبان بين 12 و17 عامًا قالوا إنهم تعرضوا للتنمر الإلكتروني خلال سنة واحدة. والأخطر أن النسبة ترتفع بوضوح بين من يستخدمون الشبكات الاجتماعية باستمرار، وتنخفض عندما يكون الأهل على معرفة دائمة أو متكررة بما يفعله أبناؤهم على الإنترنت. هذه النقطة بالذات مهمة جدًا، لأنها تقول بوضوح إن المتابعة ليست قمعًا، بل حماية. وإن الاقتراب من عالم الابن ليس تجسسًا، بل مسؤولية.

 

لهذا أخاف من الخطاب الذي يختصر المسألة كلها في كلمة “منع”. نعم، نحن بحاجة إلى قوانين أقوى، وإلى ضبط أعمار الاستخدام، وإلى تحميل الشركات مسؤوليتها عن خوارزميات الإدمان والمحتوى المؤذي. لكن هذا كله لا يعفينا نحن من دورنا. فالمشكلة ليست فقط في الهاتف الذي في يد الابن، بل أحيانًا في المسافة التي كبرت بينه وبين أهله، وفي الفراغ العاطفي الذي يتركه البيت ثم تأتي الشاشة لتملأه.

 

لسنا مطالبين بأن نربي أبناءنا بالخوف من العالم، بل بالقدرة على مواجهته. أن نعلمهم أن قيمتهم لا يحددها “لايك”، وأنهم ليسوا مضطرين إلى إرضاء جمهور لا يعرفهم، وأن أجسادهم وأفكارهم ومشاعرهم ليست مادة مفتوحة للمقارنة والابتلاع. أن نتحدث معهم قبل أن يتحدث إليهم التطبيق. أن نمنحهم أمانًا حقيقيًا قبل أن يبحثوا عنه في غرباء، أو في خوارزمية صممت لتحتجزهم أطول وقت ممكن.

 

الحماية الحقيقية لا تبدأ من كلمة “ممنوع” فقط، بل من كلمة “تعال نتكلم”. لا تبدأ حين نصادر الهاتف، بل حين نستعيد العلاقة. لا تبدأ حين نخيف أبناءنا من كل شيء، بل حين نبني داخلهم ما يجعلهم أقل قابلية للكسر، وأقل قابلية للابتلاع.

 

فالسؤال ليس فقط: هل يجب حظر السوشيال ميديا على من هم دون 16 عامًا؟


السؤال الأهم هو: ماذا فعلنا نحن، كأهل ومجتمع ومدارس ودولة، حتى لا يذهب أبناؤنا إلى هذا العالم وهم جائعون عاطفيًا، وضعفاء نفسيًا، ومستعدون لأن يصدقوا أي شيء يمنحهم شعورًا مؤقتًا بأنهم مرئيون؟

 

لأن أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى حدود رقمية.
إنهم يحتاجون، قبل ذلك، إلى بيوت أكثر دفئًا، وآذان تصغي، وحضور حقيقي لا تعوضه أي شاشة.