الوضع المظلم
هناك قصص نقرأها، وهناك قصص تقرأنا

هناك قصص نقرأها، وهناك قصص تقرأنا

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

إعداد / تهاني الغزالي

هناك قصص نقرأها، وهناك قصص تقرأنا.
وهناك آيات تمر على القلب فتمنحه سكينة، وآيات أخرى تهزه هزًا، كأنها لم تأتِ لتُطمئنه فقط، بل لتوقظه. وقصة موسى من هذا النوع الأخير. ليست مجرد حكاية نبي عظيم واجه طاغية ونجا، وليست فقط فصلًا متكررًا في القرآن لأهمية تاريخية أو دينية، بل تبدو، عند التأمل، كأنها خريطة داخلية للنفس البشرية وهي تعبر الخوف، والضياع، والخطأ، والعزلة، ثم تبدأ في التشكل من جديد.

 

ربما لهذا السبب تبكينا هذه القصة في لحظات معينة من حياتنا أكثر من غيرها. لأننا لا نراها بعين السامع فقط، بل بعين الإنسان الذي مرّ بخوف يشبه خوف أم موسى، أو بحيرة تشبه حيرته، أو بسنوات تيه طويلة ظن فيها أن حياته تعطلت، بينما كان شيء عميق فيها يُعاد ترتيبه بصمت.

 

من أكثر ما يزلزلني في هذه القصة أن بدايتها لم تكن قوة، بل خوفًا. أم تخاف على طفلها، وطفل يُلقى في المجهول، وواقع قاسٍ يبدو فيه الشر أعلى صوتًا من الرحمة. كأن الرسالة الأولى التي تهمس بها القصة لنا: لا تحتقروا بداياتكم المرتبكة، ولا تظنوا أن اللحظات التي ترتجفون فيها هي نهاية الطريق. أحيانًا يبدأ قدر الإنسان من أكثر زوايا حياته هشاشة. وأحيانًا لا يفتح الله الباب من حيث نتوقع، بل من الموضع الذي كنا نظنه آخر مواضع النجاة.

 

ثم تأتي المفارقة التي لا ينسى القلب وقعها: موسى يُربّى في بيت عدوه. أي معنى نفسي أعنف من هذا؟ أي رسالة أعمق من أن الحياة لا تسير دائمًا بخط مستقيم يفهمه العقل فورًا؟ كم من شيء رأيناه شرًا مطلقًا، ثم اكتشفنا بعد سنوات أنه كان مسرحًا خفيًا لتشكيلنا؟ كم من بيئة لم نخترها، ومن ألم لم نرده، ومن تأخير ظنناه حرمانًا، كان في الحقيقة إعدادًا قاسيًا، لكنه حقيقي، لما سنكونه لاحقًا؟

 

وفي قلب القصة لحظة لا يجوز المرور فوقها سريعًا: موسى يخطئ.


وهنا تظهر رحمة القرآن وعظمته في عرض الإنسان. لا يقدّم الشخصيات الكبرى بوصفها كائنات منزهة عن الصراع والارتباك، بل يقدّمها وهي تتعلم، وتتعثر، وتتحول. وهذا مهم جدًا لنا نفسيًا، لأن كثيرين يعيشون أسرى لفكرة قاسية تقول إن الخطأ نهاية، وإن التعثر سقوط نهائي، وإن الأزمة دليل على الفشل. بينما تقول لنا هذه القصة شيئًا آخر: الخطأ قد يكون بداية الوعي، والأزمة قد تكون بداية النضج، والانكسار قد يكون اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان في رؤية نفسه بصدق.

 

ثم تأتي العزلة. الصحراء. السنوات الطويلة التي تبدو ساكنة من الخارج، بينما يجري فيها في الداخل أعمق عمل. كم مرة شعرنا أن العالم نسيَنا؟ أن حياتنا توقفت؟ أن الآخرين يتحركون ونحن عالقون؟ قصة موسى تضع اليد على هذا الوجع الإنساني بدقة مدهشة. فالعزلة ليست دائمًا عقوبة، وقد لا تكون فراغًا كما نظن. أحيانًا تكون مكان إعادة التكوين. مكان نخلع فيه النسخ القديمة من أنفسنا، ونتصالح مع ضعفنا، ونهدأ بما يكفي لنسمع النداء حين يأتي.

 

ولعل أجمل ما في القصة أن النداء لم يأتِ لموسى وهو في صورة البطل الكامل الجاهز، بل وهو لا يزال يشعر بثقله الإنساني: يخاف، ويتردد، ويطلب العون، ويعترف بضعفه. وهذا في نظري من أكثر الجوانب شفاءً في القصة. لأننا نعيش في عالم يضغط على الإنسان ليبدو قويًا طوال الوقت، ومرتبًا طوال الوقت، وواثقًا طوال الوقت. بينما تقول لنا قصة موسى إن الصدق أهم من الاستعراض، وإن الله لا يشترط الكمال حتى يفتح الطريق، بل يريد قلبًا صادقًا يعرف ضعفه ولا يكابر عليه.

 

وليس فرعون في هذه القصة مجرد شخصية تاريخية بعيدة. فرعون قد يكون أيضًا رمزًا لكل استبداد يواجه الإنسان، خارجَه وداخلَه. قد يكون شخصًا، أو نظامًا، أو ظرفًا قاهرًا، وقد يكون خوفًا متجذرًا في النفس، أو صوتًا داخليًا متسلطًا يهمس لنا: لن تتغيري، لن تنجي، لن تنهضي، لن تُفتَح لك الأبواب. وهنا تصبح القصة أكثر من سرد ديني؛ تصبح مواجهة دائمة بين ما يرفع الإنسان وما يستعبده.

 

حتى بنو إسرائيل، رغم رؤيتهم المعجزات، ظلوا يحملون داخلهم آثار الخوف القديم. وهذه من أصدق اللمسات النفسية في القصة كلها: ليس كل انفتاح خارجي يعني شفاءً داخليًا فوريًا. قد ينجو الإنسان من الظرف، لكن آثار الظرف تبقى فيه. قد يخرج من الخطر، لكن الخوف لا يخرج منه بالسرعة نفسها. وهذا ما يجعل الشفاء الحقيقي رحلة، لا لحظة. وما يجعل الإيمان، في جوهره النفسي العميق، ليس مجرد فكرة تُقال، بل نورًا يُعاد به ترتيب الداخل قليلًا قليلًا.

 

أما أكثر ما يمس القلب في قصة موسى، فهو أنها لا تعدنا بحياة بلا ألم، لكنها تعلمنا كيف نرى الألم بطريقة أخرى. تعلمنا أن بعض ما نكرهه قد يحمل في داخله حكمة لم تنضج أعيننا لرؤيتها بعد. وأن التأخير ليس دائمًا رفضًا. وأن الغربة ليست دائمًا ضياعًا. وأن البحر لا ينشق قبل أن نصل إلى اللحظة التي نظن فيها أن كل الأبواب أُغلقت.

 

لهذا تتكرر قصة موسى.


ليس لأنها قصة واحدة، بل لأنها قصصنا نحن أيضًا.
هي قصة الخوف حين يبتلع البدايات.
وقصة الخطأ حين يربك الصورة التي نريدها عن أنفسنا.
وقصة العزلة حين نظن أن الحياة نسيتنا.
وقصة النداء حين يأتي بعد طول صمت.
وقصة المواجهة حين نُضطر أخيرًا إلى الوقوف أمام ما كان يرهبنا.
وقصة الحكمة التي لا نفهمها إلا متأخرًا.

ربما لهذا أبكتنا.

لأنها لم تحكِ عن موسى وحده، بل كشفت شيئًا منا.
كشفت الطفل الخائف في داخلنا، والمنفيّ، والمرتبك، والمجروح، والراجي، والباحث عن معنى لما مرّ به. وكأن القرآن، بتكرار هذه القصة، لا يريد فقط أن يروي ما حدث، بل أن يذكّرنا في كل مرة بأن طريق الإنسان إلى النضج ليس مستقيمًا، وأن الله قادر أن يخرج من أكثر الفصول التباسًا بداية جديدة، ومن أكثر اللحظات ضعفًا بذرة قوة، ومن أكثر الجراح غموضًا بابًا إلى فهم أرحب للنفس والحياة.