الوضع المظلم
في زمن هوس البروتين.. هل نسينا الأكل الحقيقي؟

في زمن هوس البروتين.. هل نسينا الأكل الحقيقي؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 بقلم: أسماء عمار

في الفترة الأخيرة، صار البروتين نجمًا مطلقًا في عالم التغذية. كل شيء تقريبًا يُباع اليوم تحت لافتة واحدة: “بروتين أكثر”. زبادي، قهوة، ألواح خفيفة، آيس كريم، وحتى بعض الأطعمة التي لم تكن يومًا مرتبطة بالتغذية الصحية، دخلت هذا السباق. المشكلة هنا ليست في أهمية البروتين نفسه، بل في الطريقة التي جرى بها اختزال مفهوم التغذية كله في عنصر واحد، وكأن الصحة يمكن قياسها بعدد الغرامات المكتوبة على واجهة المنتج.

 

لا أحد ينكر أن البروتين عنصر مهم، فهو يساعد على الشبع، ويدعم الكتلة العضلية، ويؤدي دورًا مهمًا في مراحل مختلفة من العمر. لكن تحويله إلى بطل أوحد في المشهد الغذائي خلق فهمًا مشوشًا عند كثيرين. صار البعض يظن أن اختياره لمنتج “مرتفع البروتين” يعني تلقائيًا أنه اختار ما هو أفضل لجسمه، من دون أن يسأل عن جودة المكونات، أو كمية السكر، أو نسبة الصوديوم، أو مدى تصنيع هذا الطعام أصلًا.

 

المقلق أكثر أن هذا الهوس أبعد الناس عن أساسيات بسيطة وواضحة. فالتغذية الصحية لا تقوم على البروتين وحده، بل على التوازن. هناك عناصر أخرى لا تقل أهمية، مثل الألياف، والخضار، والفواكه، والحبوب الكاملة، وجودة الدهون، وانتظام الوجبات. لكن هذه الجوانب لم تعد تحظى بالبريق نفسه، لأنها لا تُسوَّق بالضجيج ذاته. وهكذا وجدنا أنفسنا أمام ثقافة غذائية تفضّل الوعود السريعة على الفهم الحقيقي.

 

من أكثر الأمور ظلمًا في هذه المرحلة، تراجع الحديث عن الألياف رغم دورها الأساسي في الشبع، وصحة الهضم، وتنظيم السكر في الدم، ودعم صحة القلب. كثير من الناس يطاردون رقم البروتين، لكنهم لا ينتبهون أصلًا إلى أنهم لا يحصلون على ما يكفي من الألياف في يومهم. وهذا يكشف الخلل بوضوح: نحن لا نبحث عن التغذية المتكاملة، بل عن عنوان جذاب يسهل بيعه واستهلاكه.

 

في رأيي، أخطر ما في هذا الترند أنه لا يعلّم الناس كيف يأكلون جيدًا، بل كيف يستهلكون بذكاء تسويقي. يجعلهم يربطون “الصحي” بمنتج معبأ ومعدّل ومدعّم، بدل أن يعيدهم إلى الطعام الحقيقي: بيض، لبن، عدس، فاصوليا، سمك، خضار، فاكهة، وشوفان. هذه الأطعمة لم تصبح أقل قيمة فقط لأنها لا تحمل عبارة “هاي بروتين” بحروف كبيرة.

 

نحن لا نحتاج إلى شيطنة البروتين، بل إلى وضعه في حجمه الطبيعي. نعم، انتبهوا إلى احتياجاتكم منه، لكن لا تجعلوه معيارًا وحيدًا للصحة. الوجبة الجيدة ليست الوجبة الأعلى بروتينًا، بل الوجبة الأكثر توازنًا، والأقدر على أن تمنح الجسم تغذية حقيقية يمكن الاستمرار عليها بهدوء، بعيدًا عن ضغط الترندات وتقلبات السوق.

 

في النهاية، الصحة لا تُبنى على موضة موسمية، ولا على مكوّن واحد، ولا على رقم يوضع بخط عريض على العبوة. الصحة تُبنى على وعي، وعلى بساطة، وعلى علاقة أكثر نضجًا وهدوءًا مع الطعام.