سلسلة حقائق: من تربى على التوبيخ لا يمشي خفيفًا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: آلاء سليمان
هناك لحظة لا ينجو فيها الإنسان إلا حين يسمي خوفه باسمه.
لحظة يقف فيها أمام ما كان يهرب منه طويلًا، ويستجمع كل ما تبقى في داخله من صدق، ليقول ما ظل عالقًا في صدره سنوات: نعم، كنت خائفًا. نعم، تربيت على أن الصمت أأمن من الاعتراض، وأن الطاعة أهدأ من التعبير، وأن النجاة أحيانًا تعني أن تخفي نفسك حتى لا يراك أحد بما يكفي ليعاتبك أو يلومك أو يعيدك إلى مكانك القديم.
من تربى على التوبيخ لا يمشي خفيفًا. يحمل في خطواته حذرًا زائدًا، وفي صوته ترددًا قديمًا، وفي اختياراته خوفًا لا يراه الآخرون. قد يبدو قويًا من الخارج، لكنه في داخله لا يزال يتأكد في كل مرة: هل يحق لي أن أقول؟ هل يحق لي أن أرفض؟ هل يحق لي أن أكون كما أنا دون أن أُعاقب؟
ومن تربى على السمع والطاعة دون حق التعبير، يكبر وكأن كلماته مؤجلة. يعرف ما يشعر به، لكنه لا يعرف كيف يقوله. يريد أن يشرح، لكنه يخاف أن يتحول الشرح إلى اتهام. يريد أن يعترض، لكنه يخاف أن يُفهم اعتراضه على أنه قلة أدب. وهكذا يتعلم الإنسان أن يبتلع صوته، ثم يقال له بعد سنوات: لماذا لا تتكلم؟
ومن نشأ في بيت يميز بين الذكر والأنثى، أو يمنح أحد الأبناء حقًا ويحرم الآخر من الحق نفسه، لا يخرج من تلك التجربة بلا أثر. قد يتعلم المجاملة بدل الصراحة، أو التلون بدل الثبات، أو إرضاء الآخرين بدل اكتشاف نفسه. ليس لأنه ضعيف، بل لأنه تعلم مبكرًا أن الحب أحيانًا مشروط، وأن القبول لا يأتي دائمًا لمن يقول الحقيقة.
ثم يأتي من يقول ببساطة: لا تُسقط فشلك على عائلتك أو بيئتك. كل إنسان مسؤول عن نفسه.
والحقيقة أن هذه الجملة نصف صحيحة فقط. نعم، كل إنسان مسؤول عن نفسه، لكن ليس كل إنسان بدأ من أرض ثابتة. هناك من خرج إلى الحياة مسنودًا، مؤمنًا بنفسه، مصدقًا أن له حقًا في النجاح. وهناك من خرج إليها مثقوبًا من الداخل، يحمل صوتًا قديمًا يقول له: أنت لست كافيًا، لا تحلم كثيرًا، لا ترفع رأسك، لا تظن أنك تستحق.
العائلة قد تكون بيتًا، وقد تكون أول قيد. قد تبني إنسانًا، وقد تدفن قدراته وهو لا يزال حيًا. قد تمنحه الثقة، وقد تجعله يقاوم العادية طوال عمره لأنه لم يجد من يصدقه حين كان صغيرًا.
لا يعني هذا أن التحرر مستحيل. لكنه يعني أن الطريق ليس عادلًا للجميع. هناك من يصعد درجة واحدة فيصفق له العالم، وهناك من يصعد ألف درجة وقدماه داميتان، ثم يُقال له: تأخرت.
سينجح، نعم. وقد يفرح بنجاحه. لكنه أحيانًا يفرح بألم. لأن النجاح الذي يأتي بعد سنوات من التكسير لا يشبه النجاح الذي يأتي فوق أرض آمنة. من نجح بدعم عائلته يفرح بثقة وامتنان واعتزاز. أما من نجح رغم عائلته، فيفرح وفي داخله سؤال موجع: لماذا كان عليّ أن أحارب وحدي كل هذا الوقت؟
حتى نظرة الناس تختلف. من يأتي من بيئة مساندة، يصفقون له بثقة، وينسبون نجاحه إلى اجتهاده ومكانته. أما من يأتي من بيئة مضطربة أو ماضٍ مثقل، فقد يتركون إنجازه الحاضر، وينقبون في ماضيه، لا ليفهموه، بل ليحاصروه به. لا يقولون: نجح. بل يقولون: رغم كل ما كان، أصبح شيئًا.
هذه واحدة من الحقائق التي نخفيها كثيرًا، لأننا تعلمنا أن الاعتراض عيب، وأن كشف الخلل جحود، وأن الحديث عن جراح العائلة نوع من العقوق. لكن الصمت لا يمحو الحقيقة. وكلما كبرنا، ظهرت آثار ما كنا نظن أننا تجاوزناه. تظهر في الخوف، في العلاقات، في اختيار الشركاء، في طريقة استقبال الحب، وفي ذلك الحذر القديم الذي يمشي معنا حتى ونحن نبدو ناجحين.
ليست الدعوة هنا إلى كراهية العائلة، ولا إلى تعليق الحياة كلها على الماضي. لكنها دعوة إلى الاعتراف العادل: بعض الناس لم يتأخروا لأنهم كسالى، ولم يتعثروا لأنهم ضعفاء، ولم يخافوا لأنهم بلا شخصية. بعضهم كان يحاول فقط أن ينجو من بيت لم يعرف كيف يحمي روحه.
والنجاة من هذا النوع لا تكون ناعمة. تكون مكلفة، طويلة، ومؤلمة. لكنها ممكنة.
أول خطوة فيها أن نخلع ذلك الخف القديم الذي مشينا به خوفًا من اللوم، وأن نصدق أن الإنسان لا يصبح حرًا دفعة واحدة. أحيانًا يبدأ التحرر من جملة بسيطة يقولها لنفسه بصدق:
أنا لست عيب ماضيّ.
أنا لست نتيجة توبيخهم فقط.
أنا أستطيع أن أتعافى، حتى لو تأخرت.
وأستطيع أن أصل، حتى لو وصلت بقدمين متعبتين.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5266 المقالات
منشورات شائعة
-
حين يعرف الجسد قبلنا
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 3, 2026
-
من فنّ تراثي إلى قوة اقتص...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 3, 2026
-
فيدال يهاجم خيسوس وهنري ي...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 3, 2026
-
قبل العطش وفقدان الوزن.....
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 3, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!