الوضع المظلم
تحرر بلا مبرر

تحرر بلا مبرر

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: ألاء سليمان

 

أخبروها عن التحرر، ثم سحبوا أدوارهم وألصقوها بها. زيّنوا لها الطريق بشعارات براقة، ثم تركوها وحدها أمام قسوة الحياة، كأن قوتها لا تكتمل إلا إذا حملت كل شيء وحدها، وكأن تطورها لا يتحقق إلا إذا خرجت من طبيعتها، وتخلّت عن رقتها، ووقفت في معركة لا تشبهها.

 

يحاولون دفعها إلى متاهات لا تناسبها، ويزعمون أن في تحررها تطورها، بينما يتجاهلون أجيالًا من النساء ازدهرن وارتفعن وتركْن أثرًا عظيمًا بلا صخب، ولا صدام، ولا انسلاخ عن الهوية. نساء عرفن معنى الكرامة، وحفظن الحياء، وملكن الحكمة، وربّين أجيالًا، وشاركن في بناء الحياة دون أن يطلبن من أنفسهن أن يكنّ نسخة أخرى من الرجال.

 

ليست المشكلة في أن تتعلم المرأة، أو تعمل، أو تنجح، أو يكون لها رأي وحضور ومكانة. هذا حقها وكرامتها. المشكلة حين يُختزل نجاحها في أن تتخلى عن ذاتها، وحين يُقال لها إن الطريق إلى القوة يبدأ من مغادرة أنوثتها، وكأن الرقة ضعف، والحياء رجعية، والستر قيد، والخجل عيب.

 

تهاتفت أفواه كثيرة بالمساواة وكأن النساء جميعًا اجتمعن على معنى واحد لها. لكن الإنصاف الحقيقي لا يعني أن تُدفع المرأة إلى نطح الرؤوس كي تثبت وجودها، ولا أن تُزجّ في سباق لا يحترم اختلافها، ولا أن تُحمّل أعباء لا تناسب روحها باسم القوة والاستقلال.

 

لا مساواة لها بمن يسلبها خصوصيتها، ولا نجاح لها في أن تخسر ملامحها. يمكنها أن تعلو وتسمو بتفردها فقط، بكونها هي، وبالتصاق تاء التأنيث بهويتها، لا كعلامة نقص، بل كهوية كاملة، رقيقة وقوية في آن واحد.

 

الرقة ليست عجزًا. والحياء ليس انغلاقًا. والأنوثة ليست ضعفًا. والمرأة لا تحتاج أن تكون قاسية حتى تُحترم، ولا صادمة حتى تُسمع، ولا متمردة على كل قيمة حتى يقال عنها متطورة. القوة الحقيقية أن تعرف من تكون، وأن تختار طريقها بوعي، لا أن تنساق خلف كل صوت يلبس ثوب العطف بينما يخفي في داخله غاية أخرى.

 

كفى انزلاقًا خلف دعوات تبدو ناعمة في ظاهرها، لكنها في عمقها قد تنهش لين الطباع، وتسرق وردية الأحلام، وتدفع المرأة إلى عالم لا يشبه قلبها. كم من شعار قيل باسمها، ولم يمنحها إلا مزيدًا من التعب؟ وكم من دعوة رفعت راية الحرية، ثم تركتها أكثر وحدة، وأكثر قسوة، وأكثر ابتعادًا عن نفسها؟

 

لماذا تبدلت الأحلام بهذه السرعة؟

أين ذهبت تلك البراءة التي كانت تجعل الطفلة ترتدي عباءة صغيرة، وتسلّم على مقاعد المجلس الفارغة كأنها تستقبل ضيوفًا؟ أين ذهبت الأكواب البلاستيكية التي كانت تُغسل بفرح، وضفائر الدمى التي كانت تُمشّط كأنها عائلة صغيرة، ورائحة الحناء التي كانت جزءًا من ذاكرة البيوت والبنات والأمهات؟

 

ليست القضية في لعبة عباءة، ولا في دمية، ولا في كوب بلاستيكي، ولا في رائحة الحناء وحدها. القضية في المعنى الذي كان يسكن تلك التفاصيل. كان فيها دفء، وحياء، وخيال، وبساطة، وصلة طبيعية بين الفتاة وداخلها. أما اليوم، فقد تبدلت أشياء كثيرة. دخلت الشاشات إلى الأحلام، وتبدلت الألعاب، وصار كثير مما كان جميلًا يوصف بأنه قديم، أو ساذج، أو غير مناسب لعصر السرعة.

 

لماذا أصبح الحياء تعقيدًا؟ ولماذا صار الخجل انطواءً؟ ولماذا أصبح التمسك بالحدود رجعية؟ ولماذا تحولت كلمة “عادي” إلى غطاء جاهز لكل موقف، حتى في الأشياء التي لا ينبغي أن تصبح عادية؟

 

كلنا نخطئ، ولا أحد بلا ضعف. لكن كان للستر قيمة، وللندم معنى، وللخطأ مهابة. لم يكن كل شيء يقال، ولا كل شيء يُعرض، ولا كل سقوط يتحول إلى تفاخر. كان الإنسان يعرف أن الضعف جزء من طبيعته، لكنه لا يصنع من ضعفه راية، ولا يجعل من الخطأ بطولة.

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمرأة ليس أن تطلب حقها، ولا أن تنجح، ولا أن تبني حضورها في الحياة. الخطر الحقيقي أن تُقنع بأن قيمتها لا تكتمل إلا إذا تشبهت بما لا يشبهها، وأن حريتها لا تكون إلا إذا نزعت عنها ما يميزها، وأن الحياء قيد، وأن الستر خوف، وأن الرقة باب للاستغلال لا جمال يستحق الصون.

 

المرأة لا تحتاج إلى تحرر بلا مبرر. تحتاج إلى وعي يحميها من الاستغلال، وإلى مجتمع لا يتركها وحدها ثم يصف وحدتها بالقوة. تحتاج إلى فرص تحفظ كرامتها، لا شعارات تستهلك قلبها. تحتاج إلى من يحترم عقلها دون أن يسخر من حيائها، ويقدر نجاحها دون أن يطلب منها أن تتخلى عن أنوثتها.

 

لسنا ضد تطورها، بل ضد أن يُصنع لها تطور لا يشبهها. لسنا ضد صوتها، بل ضد أن يُفرض عليها صوت لا يخرج من حقيقتها. لسنا ضد قوتها، بل ضد أن تُفهم القوة على أنها قسوة، أو صدام دائم، أو خلع لكل ما كان يصون الروح من الداخل.

 

قد يكون الرجوع بالزمن إلى الوراء مستحيلًا، لكن الرجوع إلى المعنى ليس مستحيلًا. يمكننا أن نعيش عصرنا دون أن نفقد ضمائرنا، وأن نواكب العالم دون أن نترك جذورنا، وأن نمنح المرأة حقها في الاختيار والنجاح دون أن نسلبها حقها في الحياء والسكينة والاختلاف.

 

فلا تنخدعوا بكل شعار يرفع باسم المرأة. اسألوا دائمًا: هل هذا الطريق يصونها أم يستنزفها؟ هل يزيدها كرامة أم يثقلها؟ هل يمنحها حرية حقيقية أم يدفعها إلى وحدة أكثر قسوة؟ هل يجعلها أقرب إلى نفسها أم أبعد عنها؟

 

المرأة لا تُنصف حين تُدفع إلى معركة لا تشبهها. ولا تُكرم حين يُطلب منها أن تتخلى عن أجمل ما فيها لتثبت أنها قوية. إنصافها الحقيقي أن تكون قادرة على أن تعلو، وتنجح، وتختار، وتفكر، وتشارك، وهي ما زالت هي: كريمة، واعية، مصونة، ومتّصلة بروحها وهويتها.