حين نسخّن طعامنا في البلاستيك.. ماذا ينتقل معه إلى أجسامنا؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم الدكتورة ماريان أسعد
نحرص على اختيار طعامنا بعناية، ونراقب مكوناته وقيمته الغذائية، لكن كم مرة توقفنا لنسأل أنفسنا عن سلامة العبوة التي نحفظه فيها أو نسخّنه بداخلها؟ فقد لا يكون ما يصل إلى أطباقنا مقتصراً على الطعام وحده، بل قد ترافقه جسيمات بلاستيكية دقيقة لا تستطيع العين المجردة رؤيتها.
منذ عقود، أصبح البلاستيك جزءاً أساسياً من حياتنا بفضل خفة وزنه وسهولة استخدامه ورخص تكلفته. لكن الأبحاث الحديثة دفعت العلماء إلى دراسة ما يحدث لبعض العبوات البلاستيكية عندما تتعرض للحرارة أو الاستخدام المتكرر، وما إذا كانت الجسيمات التي تنفصل عنها قد تؤثر في صحتنا على المدى الطويل.
تُعرف هذه الجسيمات باسم الميكروبلاستيك (Microplastics)، أما الجسيمات الأصغر منها فتُسمى النانو بلاستيك (Nanoplastics). وقد أُثيرت تساؤلات بشأن انتقالها من بعض العبوات إلى الطعام والمشروبات، خصوصاً أثناء التسخين.
وليست جميع أنواع البلاستيك متشابهة. فالبولي إيثيلين (PE) يُستخدم في الأكياس والأغلفة المرنة وعبوات الحليب، والبولي بروبيلين (PP) في بعض علب الطعام والزبادي، بينما يدخل البولي إيثيلين تيرفثالات (PET) في صناعة زجاجات المياه والمشروبات. وهناك أيضاً البولي ستايرين المستخدم في بعض العبوات الرغوية، والبولي فينيل كلوريد (PVC) الموجود في أنواع معينة من أغلفة الطعام. ولكل مادة خصائص تختلف باختلاف تركيبها وطريقة استخدامها.
ولعل أكثر ما يستحق انتباهنا هو تأثير الحرارة. فقد كشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة نبراسكا–لينكولن الأمريكية، ونُشرت عام 2023، أن تسخين أنواع محددة من العبوات البلاستيكية في الميكروويف أدى، خلال ثلاث دقائق، إلى انطلاق ملايين الجسيمات البلاستيكية الدقيقة ومليارات الجسيمات متناهية الصغر من مساحات صغيرة من سطح العبوة.
هذه النتائج لا تعني أن كل عبوة تُطلق الكميات نفسها، لكنها تضع أمامنا سؤالاً مهماً: لماذا نعرّض طعامنا للحرارة داخل البلاستيك عندما تتوافر بدائل مناسبة؟
ولا تتوقف المسألة عند التسخين وحده؛ فدرجة حرارة الطعام، ومدة ملامسته للعبوة، وطبيعة المادة المصنوعة منها، كلها عوامل قد تؤثر في انتقال مكونات التغليف. كما أن الخدوش والتلف الناتجين عن الاستخدام المتكرر يجعلان الالتزام بتعليمات العبوات واستبدال المتضرر منها أمراً ضرورياً.
أما ما يحدث لهذه الجسيمات بعد دخولها الجسم، فهو مجال لا يزال يخضع للدراسة. فقد رصد الباحثون جسيمات بلاستيكية في عينات من الدم وأنسجة بشرية مختلفة، بينها الكبد والكلى والدماغ. وتشير التجارب المعملية والحيوانية إلى احتمال ارتباط بعض أنواع التعرض بالالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي عملية قد تُلحق الضرر بالخلايا عندما يختل توازن المواد المؤكسدة داخلها.
وتستحق صحة الكبد اهتماماً خاصاً في هذا السياق. فقد أظهرت دراسة تجريبية نُشرت عام 2023 أن تعريض الفئران لجسيمات البولي إيثيلين الدقيقة أدى إلى اضطرابات في استقلاب الدهون، وزيادة مؤشرات الالتهاب داخل الكبد، وتفاقم التليف في نموذج تجريبي لإصابة كبدية سابقة.
وفي عام 2026، تناولت مراجعة علمية منشورة في مجلة Nature Reviews Gastroenterology & Hepatology الأدلة المتزايدة على وجود جسيمات بلاستيكية في الكبد البشري، والآليات المحتملة التي قد تربطها بالالتهاب والتليف. ومع ذلك، لم تُثبت الأبحاث حتى الآن أن التعرض المعتاد للبلاستيك المستخدم في تغليف الطعام يسبب مرض الكبد الدهني أو التليف لدى الإنسان.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين وجود مؤشرات تدعو إلى القلق، وبين الجزم بوقوع ضرر صحي لم يثبت بعد. فالعلم يتقدم بالبحث والتحقق، وليس بالمبالغة في النتائج أو التقليل من شأنها.
لكن هل نحتاج إلى انتظار إجابات نهائية عن كل هذه التساؤلات حتى نعيد النظر في بعض عاداتنا اليومية؟
أرى أن الوقاية البسيطة تستحق الاهتمام، لا سيما عندما لا تتطلب تضحية كبيرة. فالعبوات الزجاجية المناسبة للحرارة خيار جيد لحفظ الطعام وإعادة تسخينه، كما أن الأواني المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ مناسبة لحفظ الوجبات ونقلها، دون استخدامها داخل الميكروويف. وتوفر الأواني الخزفية ذات الطلاء الآمن خياراً آخر، بينما يمكن استعمال السيليكون المخصص للطعام وفق تعليمات الشركة المصنعة، أو أغلفة شمع العسل والورق الغذائي في الاستخدامات التي تناسبها.
ولا أدعو إلى التخلص من جميع الأدوات البلاستيكية في منازلنا، ولا إلى اعتبار كل عبوة خطراً على صحتنا. فالبلاستيك أدى دوراً مهماً في حفظ الأغذية وحمايتها. لكن الاستفادة من مزاياه لا تمنعنا من تقليل استخدامه حين توجد بدائل عملية.
يمكن البدء بثلاث عادات: نقل الطعام إلى وعاء زجاجي أو خزفي مناسب قبل تسخينه، وعدم إعادة استخدام عبوات الوجبات الجاهزة خارج الغرض المخصص لها، واستبدال زجاجات المياه البلاستيكية أحادية الاستعمال بزجاجات قابلة لإعادة الاستخدام.
هذه الخطوات لا تضمن منع التعرض للجسيمات البلاستيكية، لكنها قد تقلل بعض مصادره التي نستطيع التحكم فيها.
ولعل الرسالة الأهم هنا أننا لا نحتاج إلى الخوف من كل ما يحيط بنا، بل إلى قدر أكبر من الوعي بما نستخدمه يومياً. فقد نهتم كثيراً بنوعية الطعام الذي نقدمه لأسرنا، بينما نغفل أحياناً عن الوعاء الذي نقدمه فيه. والاهتمام بالصحة يستحق أن يشمل الاثنين معاً.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5505 المقالات
منشورات شائعة
-
تونس ضيف شرف «MTL CONNECT...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
-
«صيحة البشرة الزجاجية.. ه...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
-
ألبرتا تصوّت على مستقبلها...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
-
حين نسخّن طعامنا في البلا...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 19, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!