الوضع المظلم
هل يمكن أن تتحول الحرية إلى قيد؟

هل يمكن أن تتحول الحرية إلى قيد؟

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: مينا بشير

مقال رأي | ثقافة وفكر

الحرية حلم إنساني قديم، تناضل الشعوب من أجلها، ويسعى إليها الإنسان في مختلف مراحل حياته، وإن اختلفت صورتها من شخص إلى آخر. لكن هذه الكلمة التي تبدو واضحة في ظاهرها تحمل مفارقة تستحق التأمل: هل يكفي أن يتحرر الإنسان من القيود التي يفرضها الآخرون ليصبح حراً، أم أن أفكاره ومعتقداته قد تحدّ من حريته دون أن يدرك؟

 

فنحن نولد دون أن نحمل القناعات التي ستشكل لاحقاً نظرتنا إلى العالم. ومع تقدمنا في العمر، نكتسب من الأسرة والمجتمع والتعليم أفكاراً عن الصواب والخطأ، والمقبول والمرفوض، حتى تصبح جزءاً من هويتنا. وهذه العملية ضرورية لنمو وعينا، لكن المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع ما اكتسبناه باعتباره حقيقة لا تقبل النقاش، ونفقد القدرة على التمييز بين ما اخترناه عن اقتناع وما اعتدنا الإيمان به.

 

وتذكرني هذه المفارقة بمقولة الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو في كتابه «العقد الاجتماعي»: «يولد الإنسان حراً، ولكنه مكبل بالأغلال في كل مكان». كان روسو يناقش القيود الاجتماعية والسياسية، غير أن عبارته تدفعني إلى التفكير في حدود أخرى لا تفرضها سلطة، بل تتشكل تدريجياً في طريقة تفكيرنا.

 

فقد يعتقد الإنسان أنه بلغ درجة كبيرة من الوعي والاستقلال، بينما يرفض مراجعة الأفكار التي يؤمن بها. وليس في المعرفة نفسها ما يتعارض مع الحرية؛ فهي توسع آفاق الإنسان وتمنحه قدرة أكبر على الاختيار. إنما تبدأ المشكلة حين يتحول اقتناعه بما يعرف إلى يقين لا يترك مجالاً للتساؤل أو الاختلاف.

 

هذه الحالة هي ما أسميه «العبودية الفكرية الخفية»، حين يظن الإنسان أنه يفكر باستقلال، بينما تحدد أحكامه قناعات لم يختبرها يوماً.

 

وفي رواية «أنا حرة»، يناقش إحسان عبد القدوس علاقة الحرية بالمبادئ والأهداف التي يختار الإنسان أن يعيش من أجلها. وهي علاقة تثير سؤالاً مهماً: هل يصبح تمسكنا بالمبادئ نوعاً من العبودية؟

 

أعتقد أن الأمر يتوقف على طبيعة هذا التمسك. فهناك فرق بين إنسان اختار مبادئه بعد تفكير، وآخر يخشى مجرد التساؤل عنها. فالإيمان بالمبدأ عن اقتناع لا يلغي الحرية، لكن رفض مراجعته مهما تغيرت المعطيات قد يحرم الإنسان من فرصة اكتشاف ما لم يكن يراه.

 

وليس علينا أن نبحث بعيداً لنرى هذه المفارقة. فقد يطالب شخص بحرية التعبير، لكنه يرفض الاستماع إلى من يخالفه الرأي، أو يدافع عن حرية الاختيار، ثم يحاول فرض اختياراته على الآخرين. فكيف نطالب بحرية لا نحتمل أن يمارسها غيرنا؟

ولا تعني الحرية التخلي عن المبادئ، ولا تمنحنا الحق في انتهاك حقوق الآخرين، لكنها تتطلب أن نكون قادرين على مراجعة أفكارنا دون أن نشعر بأننا نفقد هويتنا.

 

وربما لا توجد حرية مطلقة في عالم تحكمه العلاقات والمسؤوليات، لكن ذلك لا يمنعنا من توسيع مساحة استقلالنا الفكري، كلما تعلمنا أن نفرق بين الثبات على القناعة والتعصب لها.

فهل نحن أحرار لأننا نؤمن بأفكارنا، أم لأننا نملك الشجاعة لإعادة النظر فيها؟