أحيانًا أتوقف أمام جملة نسمعها كثيرًا هذه الأيام: "أنتِ طيبة زيادة عن اللزوم". تُقال بطريقة تجعل الطيبة كأنها عيب ينبغي إصلاحه، أو سذاجة يجب أن يتخلص منها الإنسان حتى يستطيع أن يعيش بين الناس
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
أحيانًا أتوقف أمام جملة نسمعها كثيرًا هذه الأيام: "أنتِ طيبة زيادة عن اللزوم".
تُقال بطريقة تجعل الطيبة كأنها عيب ينبغي إصلاحه، أو سذاجة يجب أن يتخلص منها الإنسان حتى يستطيع أن يعيش بين الناس. وكأن المطلوب منك، لكي تنجو، أن تصبح أكثر شكًا، أقل ثقة، وأسرع في توقع الأسوأ من الآخرين.
وأتساءل: متى حدث هذا؟
متى تحولت كلمة كانت يومًا من أجمل ما يمكن أن يقال عن إنسان إلى نوع من التحذير منه؟
ربما لأننا خلطنا بين الطيبة والضعف.
الإنسان الطيب ليس بالضرورة شخصًا لا يفهم ما يحدث حوله. قد يرى الخداع ولا يختار الخداع، ويفهم القسوة لكنه لا يريد أن تصبح القسوة لغته. وقد يعرف أن أمامه فرصة للرد بالمثل، ثم يقرر ألا يفعل.
وهنا الفرق كبير.
السذاجة ألا ترى. أما الطيبة، فقد تكون أن ترى جيدًا ثم تختار نوع الإنسان الذي تريد أن تكونه.
لكن المشكلة أن العالم أصبح يكافئ أحيانًا صفات أخرى. من يرفع صوته يبدو أقوى، ومن يضع مصلحته أولًا يوصف بأنه "يعرف كيف يعيش"، ومن يتعامل بحسابات دقيقة مع كل علاقة يقال عنه إنه ذكي.
أما الذي يسامح، أو يمنح فرصة ثانية، أو يساعد بلا مقابل، فيُسأل بسرعة: لماذا تفعل ذلك؟ ماذا ستستفيد؟
كأن الخير نفسه أصبح يحتاج إلى تفسير.
ولا أعتقد أن الحل أن نقول للناس: كونوا طيبين مهما حدث. فالطيبة من دون حدود قد تتحول إلى باب يدخل منه من لا يقدرها.
ليس مطلوبًا منك أن تسمح لأحد بأن يؤذيك حتى تثبت أنك إنسان جيد. وليس من الرحمة أن تبرر الإساءة باستمرار، ولا من الكرم أن تعطي حتى تستنزف نفسك، ولا من التسامح أن تفتح الباب نفسه كل مرة لمن يدخل منه ليجرحك.
يمكن أن تكون طيبًا وتقول "لا".
يمكن أن تسامح شخصًا ولا تعيده إلى المكان نفسه في حياتك.
يمكن أن تساعد، لكنك تعرف متى تتوقف.
ويمكن أن تحب الناس دون أن تسلمهم مفاتيح راحتك وكرامتك.
ربما هذه هي الطيبة التي نحتاجها اليوم: طيبة واعية، لا عمياء. قلب فيه رحمة، وعقل يحميه.
لأن البديل مخيف.
إذا كان كل إنسان تعرض للخداع قرر أن يصبح مخادعًا، وكل من جُرح اختار أن يجرح، وكل من استُغل قرر ألا يساعد أحدًا مرة أخرى، فماذا يتبقى لنا؟
سنصنع مجتمعًا من أشخاص يحمون أنفسهم من بعضهم طوال الوقت.
والحقيقة أن أكثر ما يجعل الحياة محتملة ليس القوة وحدها. أحيانًا هي كلمة طيبة جاءت في وقت لم نتوقعها، شخص وقف بجانبنا دون مصلحة، أو إنسان عاملنا برحمة بينما كان يستطيع أن يكون قاسيًا.
هذه الأشياء لا تصنع ضجيجًا، لكنها تبقى في الذاكرة سنوات.
لذلك لا أعتقد أن الطيبة أصبحت بلا قيمة. ربما فقط أصبحنا نعيش في زمن يخاف فيه الناس من ثمنها.
وأنا أفهم هذا الخوف.
لكنني لا أريد أن يصبح الدرس الذي نتعلمه من قسوة بعض البشر هو أن نصبح مثلهم.
تعلم أن تحمي نفسك، نعم.
ضع حدودك، بالتأكيد.
اختر من يستحق قربك، ولا تمنح ثقتك بلا وعي.
لكن لا تعتذر لأن قلبك ما زال قادرًا على الرحمة.
فالطيبة ليست مسبة.
والإنسان الطيب ليس إنسانًا لم يتعلم من الحياة.
أحيانًا يكون قد تعلم منها الكثير جدًا، ومع ذلك قرر ألا يسمح لها بأن تغيّر أجمل ما فيه.
تهاني الغزالي
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5365 المقالات
منشورات شائعة
-
بلاغ كاذب من خارج كندا يغ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 10, 2026
-
مصر تستعرض «ردع 300» في ف...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
-
بنك كندا: تراجع الهجرة وش...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
-
واحد من كل ثلاثة شباب شمل...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!