حين نعجز عن تسمية مشاعرنا... يزداد ثقلها علينا
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم الدكتور/ مصطفى حسن
ليس أصعب ما في المشاعر أن نشعر بها، بل أن نعجز عن فهمها.
أحيانًا لا يكون الوجع في الحزن نفسه، ولا في الخوف نفسه، بل في تلك الحالة المربكة التي تجعلنا نقول: أنا متضايق... أنا مخنوق... أنا متوتر، من دون أن نعرف حقًا ماذا يحدث في الداخل. نشعر بثقل، بانقباض، بقلق، بضيق، لكننا لا نملك الكلمة التي تضع يدها على الحقيقة. وهنا تبدأ المشاعر في التمدد داخلنا، وتصبح أكبر من حجمها، وأكثر إرباكًا، وأصعب في الاحتمال.
الوعي العاطفي يبدأ من هذه النقطة البسيطة والعميقة في آن واحد: أن تلاحظ ما تشعر به، ثم تسميه بصدق. هناك فرق كبير بين أن تقول: أنا مضغوط، وبين أن تقول: أنا مجروح. أنا مرفوض. أنا خائف. أنا خائب. أنا أشعر بالخجل. هذا الفرق ليس لغويًا فقط، بل نفسي أيضًا. لأن الشعور حين يبقى غامضًا، يبقى ثقيلًا. وحين يأخذ اسمه، يبدأ في الهدوء قليلًا، ويصبح مفهومًا، ويمكن التعامل معه.
كثيرون يعيشون سنوات طويلة وهم يستخدمون كلمة واحدة لوصف عشرات الحالات النفسية: "أنا متوتر". بينما الحقيقة قد تكون أعمق بكثير. ربما هو حزن لم يُعترف به. وربما خوف يختبئ خلف محاولة السيطرة على كل شيء. وربما وحدة نحاول تغطيتها بالانشغال الدائم. وربما فَقْد لم نسمح لأنفسنا أصلًا أن نحزن عليه، فسميناه إرهاقًا وانتهينا.
لهذا، فإن الوعي بمشاعرنا ليس رفاهية نفسية، بل جزء أساسي من الصحة العاطفية. لأنك حين لا تعرف ما الذي تشعر به، لن تعرف غالبًا ما الذي تحتاجه. ستطلب من نفسك الصلابة وأنت تحتاج إلى الأمان. ستبحث عن الإنجاز وأنت تحتاج إلى الاحتواء. ستنسحب من الناس وأنت في الحقيقة تحتاج أن يفهمك أحد.
وفي أحيان كثيرة، لا تكون المشكلة فينا، بل في البيئة التي تربينا فيها. هناك من نشأ في بيت لم يكن يعترف بالمشاعر أصلًا. بيت يسخر من البكاء، أو يهاجم الحساسية، أو يطالبك دائمًا بأن "تكبر" و"تتحمل" و"تبطل دلع". ومع الوقت، يتعلم الإنسان أن يتجاهل عالمه الداخلي، وأن يلتفت فقط لما يريده الآخرون. فيكبر وهو يسمع جسده أكثر مما يسمع قلبه: صداع، توتر في الرقبة، ضيق في الصدر، عصبية زائدة... وكلها إشارات لمشاعر لم تجد طريقها إلى اللغة.
وحين يضعف هذا الوعي، تظهر النتائج في تفاصيل الحياة اليومية. قد نبالغ في ردود أفعالنا، ثم نكتشف متأخرين أن ما حدث لم يكن غضبًا فقط، بل جرحًا قديمًا تم لمسه. قد نعجز عن شرح أنفسنا في العلاقات. قد نبكي من دون تفسير واضح، أو نشعر بأننا غارقون عاطفيًا من غير أن نعرف لماذا. وهذا لا يعني أننا ضعفاء أو عاجزون، بل يعني ببساطة أن هذه المهارة لم تُمنح لنا بما يكفي، وتحتاج الآن إلى تدريب لطيف وصبور.
كيف نبدأ؟
ابدأ من الجسد. اسأل نفسك بهدوء: ماذا يخبرني جسدي الآن؟
ثم اختر كلمة واحدة صادقة: هل أنا خائف؟ مجروح؟ محبط؟ وحيد؟ خجلان؟
بعدها حاول أن تفهم السبب: ما الذي جعل هذا الشعور يظهر الآن؟
ثم لا تتركه حبيسًا في الداخل. اكتبه. قله بصوت مسموع. شاركه مع شخص لا يحاكمك، بل يساعدك أن ترى نفسك بوضوح.
وقد تساعدك هذه الجملة البسيطة:
أعتقد أنني أشعر الآن بـ...
لأن...
وأحتاج إلى...
هذه الجملة وحدها قادرة أحيانًا على فتح باب كان مغلقًا داخل النفس منذ وقت طويل.
ومن الأسئلة التي تستحق أن نتوقف عندها:
ما المشاعر التي أتعرف إليها بسهولة؟
وما المشاعر التي لا ألاحظها إلا بعد أن تتضخم؟
هل أصف كل شيء في حياتي بأنه "توتر"؟
وماذا يفعل جسدي عادة عندما أشعر بالخوف أو الجرح أو الإنهاك؟
طلب المساعدة أيضًا ليس ضعفًا. إذا كانت مشاعرك تبدو لك دائمًا مشوشة، أو بعيدة، أو أكبر من قدرتك على تسميتها، وإذا كانت هذه الحيرة تؤثر على علاقاتك أو يومك أو إحساسك بنفسك، فالدعم النفسي قد يكون خطوة رحيمة وضرورية.
في النهاية، ليس المطلوب أن نفهم أنفسنا دفعة واحدة، ولا أن نصبح خبراء في قراءة مشاعرنا بين ليلة وضحاها. المطلوب فقط أن نقترب من الداخل بصدق أكبر. لأنك حين تستطيع أن تسمي ما تشعر به، تكون قد خطوت أول خطوة حقيقية نحو رعايته.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5364 المقالات
منشورات شائعة
-
بنك كندا: تراجع الهجرة وش...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
-
واحد من كل ثلاثة شباب شمل...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
-
بلاغ كاذب من خارج كندا يغ...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 10, 2026
-
مصر تستعرض «ردع 300» في ف...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 9, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!