الوضع المظلم
لماذا لا نشعر أننا كافون؟ العقل الحديث بين فخ الإنجاز وجرح الطفولة

لماذا لا نشعر أننا كافون؟ العقل الحديث بين فخ الإنجاز وجرح الطفولة

شارك
Latest news on WhatsApp أجدد الأخبار على واتساب

 

بقلم: الدكتورة دينا أسعد
طبيبة نفسية

في هذا العصر، لم يعد الإنسان يطارد هدفاً واضحاً ثم يستريح. صار يطارد شعوراً غامضاً بأنه “أخيراً أصبح كافياً”. ننجح، فنفرح قليلاً. نُمدَح، فنهدأ لساعات. نحقق إنجازاً، ثم نستيقظ في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يحدث. يعود السؤال من جديد: وماذا بعد؟

 

هذه ليست مشكلة كسل ولا ضعف إيمان بالذات. إنها أزمة أعمق في طريقة عمل العقل الحديث. نحن نعيش داخل نظام يدفعنا باستمرار إلى المقارنة، والقياس، والإثبات. كل شيء حولنا يقول: كن أفضل، أسرع، أنجح، أجمل، أكثر حضوراً، أكثر إنتاجاً. لكن أحداً لا يسأل: ماذا يحدث لنفس الإنسان حين يعيش سنوات طويلة وهو يشعر أنه مشروع ناقص؟

 

من الناحية العصبية، الدماغ البشري لم يُصمم لهذا العالم المفتوح بلا نهاية. في الماضي، كان السعي مرتبطاً بالبقاء: البحث عن الطعام، الحماية، الانتماء إلى الجماعة. لذلك كان الدماغ يكافئ الحركة والسعي من خلال الدوبامين، وهو ليس مجرد مادة للسعادة كما يظن كثيرون، بل مادة التوقع والدافع. إنه يقول لنا: تحرك، ابحث، اقترب، ربما تجد ما تحتاج إليه.

 

لكن في العالم القديم، كانت المطاردة تنتهي. يجد الإنسان الطعام فيشبع. يصل إلى مأوى فيهدأ. أما اليوم، فالمطاردة لا تنتهي. هناك دائماً منشور جديد، وجه جديد، نجاح جديد، جسد أجمل، بيت أوسع، رحلة أبعد، لقب أكبر. السوشيال ميديا لا تمنح العقل نهاية. إنها تفتح أمامه طريقاً بلا آخر، فيظل يشعر أن شيئاً ما يفوته، وأن الآخرين وصلوا بينما هو ما زال متأخراً.

 

ولهذا لا تكون المشكلة في أننا نريد أن ننجح. المشكلة أن النجاح لم يعد يكفينا. أصبحنا نستخدمه كمسكن مؤقت لقلق داخلي أعمق.

 

وهنا تظهر الزاوية النفسية الأهم: أحياناً لا يكون الإفراط في الإنجاز طموحاً، بل خوفاً متنكراً.

هناك أشخاص يبدون من الخارج ناجحين وقادرين ومنظمين. لكن داخلهم يعيش اعتقاد قديم: “أنا لا أُحب إلا عندما أكون مفيداً. لا أُقدَّر إلا عندما أنجح. لا أستحق المكان إلا إذا كنت الأفضل.” هذا الاعتقاد لا يولد فجأة في الكبر. غالباً يتكون في طفولة لم يحصل فيها الإنسان على أمان كافٍ، أو حب غير مشروط، أو قبول يسمح له أن يخطئ دون أن يفقد قيمته.

 

الطفل الذي كان يُقاس دائماً بدرجاته، أو يُقارَن بغيره، أو يُنتقد أكثر مما يُحتضن، قد يكبر وهو يعتقد أن الراحة خطر. فإذا توقف، شعر بالذنب. وإذا فشل، شعر بالعار. وإذا لم ينجز، شعر أنه غير مرئي.

 

لذلك يصبح الإنجاز عنده درعاً. يعمل كي لا يشعر بالخوف. ينجح كي لا ينهار. يرضي الآخرين كي لا يُرفض. يملأ يومه بالمهام كي لا يسمع صوته الداخلي وهو يقول: “هل أنا كافٍ حقاً؟”

 

وهنا يصبح العالم الرقمي قاسياً جداً. لأن المنصات لا تبيع لنا المحتوى فقط، بل تبيع لنا المقارنة. تضع أمامنا أرقاماً تبدو بريئة: مشاهدات، إعجابات، متابعون، تعليقات. لكن العقل المتعب قد يترجمها بطريقة خطيرة: عدد الإعجابات يعني قيمتي. عدد المشاهدات يعني وجودي. تفاعل الناس يعني أنني محبوب. صمتهم يعني أنني غير مهم.

 

هكذا يتحول الهاتف إلى مرآة مشوهة. لا نرى فيها حقيقتنا، بل نرى نقصنا. لا نخرج منها أكثر معرفة بأنفسنا، بل أكثر قلقاً على مكانتنا.

 

والخروج من هذه الدائرة لا يكون بأن نقول لأنفسنا: “لا تهتم”. فالعقل لا يهدأ بالأوامر. والجهاز العصبي الذي تعلم الخوف لا يطمئن بالنصيحة السريعة. نحن نحتاج إلى تدريب أعمق: أن نغيّر علاقتنا بالفكرة، لا أن نحاربها فقط.

 

عندما تظهر الفكرة القديمة: “يجب أن أفعل أكثر كي أستحق”، لا تتعامل معها كحقيقة. تعامل معها كصوت قلق يحاول حمايتك بطريقة خاطئة. قل لنفسك: “هذه قصة قديمة. عقلي يحاول أن يقنعني أن قيمتي معلقة بالإنجاز. لكنني أستطيع أن أسمع الفكرة دون أن أطيعها.”

 

هذا الفارق صغير في اللغة، لكنه كبير في النفس. عندما تقول “أنا فاشل”، تلتصق بالفكرة. وعندما تقول “عندي فكرة تقول إنني فاشل”، تخلق مسافة بينك وبينها. هذه المسافة هي بداية الحرية.

 

ثم نحتاج أن نستعيد حقنا في الراحة. ليس الراحة كمكافأة بعد الاحتراق، بل الراحة كحاجة إنسانية أساسية. جرّب أن تجلس دقائق بلا هاتف، بلا تبرير، بلا محاولة لإنتاج شيء. ستظهر مقاومة داخلية: افتح الرسائل، تفقد الأخبار، افعل شيئاً، لا تضيع وقتك. لا تهرب فوراً. راقب القلق وهو يصعد ثم يهدأ. علّم جسدك أن السكون لا يعني الخطر، وأن قيمتك لا تختفي عندما لا تفعل شيئاً.

 

وهنا يصبح التنفس وسيلة علاجية لا مجرد نصيحة عابرة. عندما يندفع داخلك التوتر وتريد أن تهرب إلى العمل أو المقارنة أو الهاتف، خذ شهيقاً عميقاً من الأنف، ثم شهيقاً قصيراً آخر فوقه، ثم زفيراً طويلاً وبطيئاً من الفم. كرر ذلك مرتين أو ثلاثاً. أنت لا تهدئ النفس فقط، بل ترسل رسالة للجسد: لست في معركة الآن. لا تحتاج أن تثبت وجودك في هذه اللحظة.

 

الطموح ليس عدواً. النجاح ليس مشكلة. المشكلة أن نستخدمهما كبديل عن الشعور بالأمان. المشكلة أن نربط حبنا لأنفسنا بنتيجة، أو رقم، أو لقب، أو نظرة الناس إلينا. حينها يصبح كل إنجاز بداية قلق جديد، لا نهاية تعب قديم.

 

نحن لا نحتاج أن نتوقف عن الحلم. نحتاج أن نحلم من مكان أكثر رحمة. أن نسعى لأننا نحب الحياة، لا لأننا نكره أنفسنا. أن ننجح لأن لدينا ما نقدمه، لا لأننا خائفون من أن نُنسى. أن نكبر دون أن نجلد النسخة الحالية منا.

 

ربما لا تكون الحرية في أن نصل أخيراً إلى مرحلة “الكفاية”، بل في أن ندرك أن الكفاية ليست محطة خارجية. ليست بعد الترقية، ولا بعد خسارة الوزن، ولا بعد زيادة المتابعين، ولا بعد اعتراف الآخرين بنا.

 

الكفاية تبدأ عندما نتوقف عن معاملة أنفسنا كقضية تحتاج إلى إثبات دائم.

أنت لا تحتاج أن تركض طوال الوقت كي تستحق مكانك.
لا تحتاج أن تكون مبهراً كي تُحب.
ولا تحتاج أن تتحول إلى نسخة مثالية كي ترتاح.

 

يكفي أن تكون إنساناً يحاول.
والإنسان الذي يحاول، ويتعب، ويتعلم، ويخطئ، ويعود إلى نفسه برحمة، ليس ناقصاً.
إنه فقط يحتاج أن يتوقف قليلاً عن مطاردة العالم، ويصغي إلى قلبه وهو يقول:
أنا هنا. وأنا كافٍ.