هل يستحق أحد أن نفقد حياتنا من أجله؟
- بقلم Tahani Elghazaly
- نشر في
بقلم: تهاني الغزالي
لا أكتب اليوم لأحاكم أحدًا، ولا لأفتح جرحًا جديدًا في قلب عائلة موجوعة، ولا لأحوّل مأساة إنسانية إلى مادة للفرجة. أكتب لكل قلب مكسور يظن في لحظة ضعف أن الخذلان نهاية الطريق، وأن من غدر به أو تركه أو كسره يستحق أن يدفعه إلى كراهية الحياة.
والحقيقة التي يجب أن نقولها برحمة ووضوح: لا أحد يستحق أن نفقد حياتنا من أجله. لا حبيب، ولا زوج، ولا صديق، ولا قريب، ولا مجتمع ظالم، ولا كلمة جارحة، ولا خيانة، ولا باب أُغلق في وجوهنا.
الحياة ليست هدية من الناس حتى نسلمها لهم عندما يؤلموننا. الحياة أمانة من الله. والروح ليست رسالة نتركها لمن خذلونا، بل سر عظيم وضعه الله فينا لنكمل الطريق، ونتعلم، وننهض، ونفهم أن الألم لا يعني النهاية.
في الفيديو الذي نشرته عبر تواصل بودكاست، قلت إن الحياة تستحق أن نعيشها بوعي أعمق برسائل الله في القصص القرآنية. فالأنبياء، وهم أحب خلق الله وأصفاهم، لم يسلموا من ألم العلاقات الإنسانية. سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، تألم من موقف عمه. وسيدنا إبراهيم ابتُلي في أبيه. وسيدنا لوط ابتُلي في زوجته. وسيدنا يوسف ذاق الخذلان من إخوته. وسيدنا نوح ابتُلي في ابنه. والسيدة آسيا كانت زوجة فرعون، ومع ذلك لم تجعل ظلمه نهاية روحها.
هذه القصص ليست حكايات بعيدة، بل رسائل ربانية لنا: قد يأتي الخذلان من أقرب الناس، لكن القرب من الله هو الذي ينقذ القلب من الانهيار.
أحيانًا لا يقتلنا الحدث نفسه، بل المعنى الذي نعطيه له. حين نقول لأنفسنا: “أنا انتهيت”، “أنا لا أساوي شيئًا”، “لا أحد يحبني”، “لن أبدأ من جديد”، هنا يدخل اليأس من الباب الواسع. وهنا نحتاج أن نتذكر أن الشيطان لا يوسوس لنا فقط بالمعصية، بل يوسوس لنا أيضًا بأن الرحمة بعيدة، وأن الفرج مستحيل، وأن الخذلان حكم نهائي علينا.
لكن الله يقول في كتابه الكريم:
“مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”
سورة التغابن: 11
تأملوا المعنى: ليست المصيبة نهاية، بل امتحان. ومن يؤمن بالله لا يهديه الله إلى الهروب من الحياة، بل يهدي قلبه. والقلب حين يهتدي يرى ما لم يكن يراه وقت الصدمة. يرى أن الخيانة لا تلغي قيمته، وأن الفراق لا ينهي رسالته، وأن من تركه لم يكن مصدر الحياة، وأن الله باقٍ حين يرحل الجميع.
وهنا تأتي آية أخرى كأنها تربت على القلب وتعيده إلى اتزانه:
“مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ”
سورة الحديد: 22-23
فالمعنى هنا ليس أن نحجر مشاعرنا أو نمنع الحزن، بل ألا نسمح للفقد أن يسحقنا، ولا للعطاء أن يغرّنا. كل ما يمر بنا له قدر، وله حكمة، وله باب خفي إلى النضج، حتى لو لم نفهمه في اللحظة الأولى.
إلى كل من تعرض لغدر أو خذلان: لا تجعلي لحظة وجع تحكم على عمرك كله. لا تعطي من كسر قلبك شرف أن يكون آخر عنوان في قصتك. أنت أكبر من لحظة، وأغلى من علاقة، وأعمق من جرح. وما ضاع منك قد يعوضه الله بما هو أرحم، وأصدق، وأنقى، وأليق بروحك.
نعم، الألم حقيقي. والخذلان موجع. والبكاء ليس ضعفًا. وطلب المساعدة ليس عيبًا. لكن أن تتركي الحياة لمن ظلمك، فهذه ليست رسالة انتصار، بل خسارة لا يستحقها قلبك.
الحياة لا تطلب منا أن نكون أقوياء طوال الوقت، لكنها تطلب منا ألا نأخذ قرارات نهائية في لحظات الانكسار. أن نتكلم. أن نبكي مع شخص آمن. أن نطلب دعمًا نفسيًا وروحيًا. أن نبتعد عمن يؤذينا. أن نحمي أنفسنا. أن نبدأ من جديد ولو بخطوة صغيرة.
لا أحد يستحق أن ننطفئ من أجله.
ولا أحد يستحق أن نغلق باب الرحمة على أنفسنا بسببه.
والله الذي رأى خذلان يوسف، ووحدة آسيا، وحزن يعقوب، وابتلاء نوح وإبراهيم ولوط، يرى وجعك أيضًا.
فاصبري قليلًا. تنفسي. اطلبي يدًا تمتد إليك. لا تبقي وحدك مع الألم. فربما تكون هذه اللحظة التي تظنينها نهاية، هي بداية فهم جديد، وقوة جديدة، وحياة أرحم.
ملحوظة مهمة
إذا كنت تمر بلحظة خطر أو تفكر في إيذاء نفسك، لا تبق وحدك. اتصل فورًا بالطوارئ في بلدك أو تحدث مع شخص موثوق الآن. في كندا يمكن الاتصال أو إرسال رسالة إلى 988 للحصول على دعم فوري على مدار الساعة.
قد يعجبك أيضًا
Authors
-
Tahani Elghazaly5415 المقالات
منشورات شائعة
-
هل يساعد البصل في مقاومة...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
عندما تتصل الثلاجة بالإنت...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
من غزة إلى مانيلا وبوينس...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
-
لدينا مئات الأصدقاء.. فلم...
- نشر بواسطة Tahani
- أكتوبر 13, 2026
النشرة البريدية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على أحدث التحديثات!